تاريخ النبوات الكبرى

بيانات الملخص الأولية
المؤلفون: 
اللغة: 
الملخص

تاريخ النبوات الكبرى
الباحث : عباس سبتي
عصر آدم 5600ق.م – 4000ق.م
مقدمة :
لقد كتبت قبل سنوات كتاباً بعنوان \\\" تاريخ العقيدة \\\" وينقسم إلى قسمين القسم الأول يتناول تاريخ الأجناس البشرية المنقرضة هذه الأجناس التي نقرأ عنها في كتب علماء الأجناس البشرية ( الانثروبولوجيا ) ويهدف إلى معرفة تاريخ هذه الأجناس البشرية التي عاشت منذ مئات الآلاف السنين على الأرض
بينما القسم الثاني من الكتاب يتناول تاريخ دعوات الأنبياء أو تاريخ النبوات الكبرى ينقسم القسم الثاني إلى عدة عصور وهي عبارة عن تاريخ الأنبياء الذين لهم شرائع من قبل رب العالمين
متى ظهر آدم أبو البشر الحالي ؟
يمثل المكان عنصراً من عناصر حركة التاريخ ويعلب المكان دوراً في تحديد نوعية حرف الناس ومعرفة خصائص عصرهم ومميزاته ، اتفق المؤرخون قديما على ان ظهور ( هبوط ) آدم كان في الهند على جبل يقال له (نود) من أرض سرنديب ( جزيرة سريلانكا الحالية) وكانت تعد جزءاً من أراضيها الهند أيام الفتح الإسلامي (1)
مر آدم وزوجه في الجنة بتجربة إعداد وتحمل أعباء عمارة الأرض ( الخلافة ) ( 2) ويمتاز آدم بسرعة إعداده وشعوره بمشاركة العمل مع الآخرين أي الاختلاط بهم وهو شعور داخلي دفع آدم وزوجه إلى الهجرة ، ولو ان هناك من قال أن آدم نزل في الهند وأن حواء نزلت في جدة بقرب مكة ( 3) ورأي آخر يقول أن آدم وجواء هبطا معاً بجبل أرض الهند (4) ، على أي حال فترة مكث آدم بأرض الهند عبارة عن فترة إعداد وتأقلم مع البيئة والجو على كوكب الأرض إلى أن أمر بالهجرة إلى الغرب عن طريق أفغانستان فإيران حيث أنه عاش فترة من الزمن وأنجبوا أولاداً تزوجوا وتعلموا الزراعة وهذا هو السر في ان آدم اخذ معه صرة ( كيس) من الحنطة او القمح عندما خرج من الجنة الأرضية ( 5)
اتجه آدم بعد ذلك غرباً باتجاه شمالي العراق وذلك في حدود 5100ق.م وساهم ومن معه في إرساء حضارة ( دور حلف ) امتازت هذه الحضارة بوجود الفخار الملون الزاهي الذي يعد فريداً من نوعه مع العلم انه صنع باليد وهذا يدل على العقلية التي امتاز بها آدم وذريته إلى جانب وجود الصحون والطباق فيها أشكال نباتية وحيوانية التي تستخدم لتناول الطعام ووجدت القلائد والأقراص الحجرية ( الختم ) التي تعتبر أقدم اختام بسيطة تظهر في هذه المنطقة ، ومن مميزات هذه الحضارة تطور دور السكن والمعابد مما يدل على استقرار الإنسان وممارسة العبادة في أماكن خاصة
كانت منطقة شمالي العراق منطقة سكنى للإنسان منذ العصور الحجرية الوسطى ، ولما وصل آدم إلى هذه المنطقة سكن فيها في قرية ( زاوي – جمي) وهي أقدم قرية في العالم ثم واصل هجرته إلى بلاد الشام ، وامتدت القرى إلى الجنوب ( منطقة كركوك الحالية ) فشهدت أول قرية هي قرية (جرمو) المعاصرة لمدينة ( أريحا) قبل 5000ق.م والغريب في الأمر ان المنطقة لم تشهد في العطاء الحضاري في فترة ما قبل هجرة آدم إلى شمالي العراق ، علماً أن هذه المنطقة قليلاً ما شهدت تعاقب هجرة الجماعات البشرية التي جاءت من كردستان والقوقاز وشمال سوريا منذ العصر الحجري القديم (6) وأخيرا استقر آدم ومن معه بقرب موضع قريب من دمشق ، تقول مقولة ان كلمة (دمشق) مشتقة من كلمة (دم) وكلمة ( سقي) أو شقة باللغة السامية القديمة وتشير الكلمة إلى حادثة قتل قابيل أخاه هابيل في هذا المكان ( دمشق) (7) وهناك رأي يقول أن ان قابيل قتل أخاه في جبل قاسيون شمالي دمشق ( مغارة الدم ) ( 8)
استقرار آدم في بلاد الشام :
تعتبر منطقة الشام همزة وصل بين ثلاث قارات : آسيا وأفريقيا وأوربا ، استطاع الإنسان منذ القدم الهجرة إلى القارات الثلاث بسهولة ، وهناك قواسم مشتركة منها تشابه الحضارات فيها ، فقد سكن الإنسان منذ القدم بلاد الشام بعد ان خرج من موطنه الأول في أواسط آسيا وهاجر الإنسان النياندرتال إلى أوربا بعد ان ترك موطنه في حوض البحر المتوسط ومن ثم انتشر في أرجاء أوربا بل وهاجر إلى أفريقيا بعد اجتياز الجليد معظم قارة أوربا وعندما ظهر الإنسان العاقل في بلاد الشام تزاوج مع الإنسان النياندرتال ونتج إنسان جبل الكرمل واصبحت له السيادة بمعنى كثرت ذريته ، تعتبر بلاد الشام معتدلة المناخ والأمطار فيها تساعد على قيان الزراعة لذا مارس الإنسان منذ القدم حرفة الزراعة فيها ، لذا أولاد آدم مارسوا الزراعة في الشام وذلك قبل معرفة الإنسان الزراعة في بلاد النيل وبلاد الرافدين ، ولعل استقرار ذرية آدم في بلاد الشام جاء نتيجة ممارسة الزراعة ، ولعل هناك سبب هام آخر ساعد آدم وذريته بالهجرة إلى الشام هو قرب هذه المنطقة من مكة ( بيت الله الحرام ) ويعد هذا البيت محور وملتقى الأنبياء من ذرية آدم ، وقد ذكر تعالى أن من ذرية آدم أنبياء قبل نوح ( سورة مريم / 58) لماذا لم يسكن ذرية آدم الجزيرة العربية ؟ وذلك تشهد الجزيرة العربية في هذه الفترة تقلباً في المناخ وظهور الصحراء وذلك منذ سنة 8000ق.م ( 9)
شهدت أريحا وهي أقدم مدينة في بلاد الشام حضارة عظيمة اعتمدت على الزراعة وعرف سكانها صناعة النحاس فصنعوا أدواتهم من النحاس بدلا من الحجر أي أن المنطقة شهدت بداية عصر التعدين ( 10)
قصة هابيل وقابيل:
تعتبر هذه القصة مأساوية وقد تناولها المؤرخون قديماً وحديثاً على أساس أن أول دم سفك وأول انحراف مارسه بني آدم على الأرض ، تناول القرآن هذه القصة المأساوية في سورة المائدة ( الآيات 27-31) وبين القرآن السبب هو الصراع بين الحق والباطل وليس المسألة هي زواج أخ بتؤمة أخيه كما نقلها الطبري من التوراة ( 11)
وضح مفهوم الخير والشر لدى بني آدم وذلك من خلال تقوية علاقتهم بربهم ومعرفة النفس وعيوبها والتغلب على هذه العيوب منها الحسد والأنانية وحب الذات ، ولعل قابيل فشل في الابتلاء بعد ان أغواه إبليس العدو الأول لآدم وذريته ( 12) وأن إبليس لم يكن يغوي احداً قبل آدم بل ذهب مع الملائكة لمحاربة الذين يفسدون في الأرض كما يقول المفسرون في شرح آية:\\\" قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها \\\"( 13) ، على أي حال هرب قابيل بعد قتل أخيه هابيل وبعد ان دفنه كما يستفاد من قصة الغراب الذ بعثه تعالى ليعلم قابيل مواراة سواة اخيه (14)
يقول المفسرون ان قابيل لم يكن له عقب او نسل لن ذرية آدم انتهت إلى ابنه شيث الابن الثالث لآدم بعد قابيل وهابيل لكن يتبين ان إدريس النبي قد حارب ذرية قابيل واسترق منهم اناساً ومن بعض الأقوال يستفاد ان من ذرية قابيل فراعنة وجبابرة وجاء في كتاب ( الكامل في التاريخ ) أن احد أبناء قابيل قد قتل أباه ( 15) وهذا يعني ان قابيل كان له ذرية
قصة ادريس :
يعد ادريس نبياً من ذرية آدم ، بعث لإتمام شريعة آدم ، وقد شهد عصره تقدم في بعض العلوم ، إذ تعلم الناس زمن أي ساعات الليل والنهار وعبادة الخلوة في كل ساعة وعرف ادريس موعد الطوفان ، اختلف المؤرخون في مولد ادريس هناك من قال انه ولد بالشام وقد عاصر جده آدم وتعلم منه شريعته وأنه ذهب مع من ذهب إلى مصر لهداية الناس ، وهناك رأي يقول أنه ولد في ( منف ) بأرض مصر وهذا رأي ضعيف لأنه لم تكن موجودة في عصر ادريس ( 16)
ورأي آخر وهو مقبول يقول ان ولد في مصر خاصة في جنوب وادي النيل ورأي يقول انه ولد في بابل ونشأ فيها وتعلم الكتابة وحاربه قومه وخرج مع من آمن به إلى بلاد النيل ( 17) وهذا رأي ضعيف لعدم نشأة بابل في عصر ادريس
شهد وادي النيل بعد سنة 5000ق.م جموعاً بشرية سواء التي أتت من بلاد الشام وعلى رأسها ذرية آدم بعد مغادرة المناطق التي شهدت الجفاف طلباً للرزق ، او الجموع التي أتت من جنوب مصر ومنها ذرية التي مارست الزراعة يقول محمد عزة دروزة : إن المصريين القدماء عرفوا أسرار تخطيط المدن والكتابة الهيروغليفية على يد الساميين الذين دخلوا مصر قبل 3500ق.م وأن هناك شعباً قد دخل مصر قبل 4000ق.م أقاموا إمارات صغيرة قبل قيام المملكة الأولى بمصر ( 18)
بعث ادريس نبياً إلى ذرية قابيل الذي هاجر إلى مصر على أثر قتل أخيه ، خاصة اهالي الصعيد المصري وكان ادريس يدعو إلى شريعة آدم وشيث والتف حوله انصار فحارب بهم العصاة من ذرية قابيل في عصره ، وقد بنى المساكن ( خط المدن ) كي يجذب الناس إلى القرى وينشر الدين ، وتقدمت العلوم في عصره منها الفلك والطب
ملخص عصر آدم:
سادت في هذا العصر حضارة تتمثل مظاهر هذه الحضارة بناء القرى والمدن والحصون وقيام الصناعات اليدوية وانشار الكتابة وبالذات زمن النبي ادريس ( الكتابة التصويرية ) وانتشار ذرية آدم في منطقة الشرق الأوسط الحالية وشهدت هذه المنطقة امة واحدة تدرين بدين واحد وشريعة واحدة (البقرة/ 213ويونس/19)

عصر النبي نوح ( 4000ق.م – 2000ق.م
يسمى هذا العصر بعصر الحضارات الكبرى ، بعد سيطرة الكفار على زمام الأمور وإبعاد اتباع الدين والشريعة عن السلطة والحكم ، شهد هذا العصر شريعة جديدة وهي شريعة نوح ، الذي يعده بعض المؤرخين الأب الثاني للبشر بعد آدم وذلك لانتشار ذريته بعد الطوفان في منطقة الشرق الأدنى وما جاورها ن ويعتبر نوح اول رسل أولي العزم كما في المفهوم القرآني وواجه اهل الكفر والانحراف حتى انه طلب من ربه ان لا يبقى احد ا من ذراري الكفار على الأرض ( 19)
أين ظهر نوح؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بأس بذكر مكان حدوث طوفان نوح ، أغلب المؤرخين يميلون إلى ان هذا الطوفان قد حدث في بلاد الرافدين ، ولكن اختلفوا في تحديد مكانه ، فالذين تأثروا بما جاء في التوراة يعتقدون ان الطوفان قد حدث لأهل بابل ومن هذا القول يتبين ان الطوفان حدث في جنوب العراق ، لكن هذا القول لا يسمد أمام الاعتبارات التاريخية والجغرافية والدينية ذلك ان جنوب العراق لم يشهد جموعاً بشرية إلا في حدود 3500ق.م وهو أول زمن لظهور السومريين الذين سكنوا هذه المنطقة ، بينما الطوفان قد حدث في حدود 3900ق.م حسب الجدول الذي ذكره عماد الدين إسماعيل أبي الفداء في كتابه ( المختصر في أخبار البشر ) ويسمى تاريخ أبي الفداء حسب ما نقله من التوراة وقد نقل ابن الوردي الجدول من ابي الفداء في كتابه ( تاريخ ابن الوردي )
كذلك السفينة التي رست على جبال ( أرارات ) او جبال الموصل لا يمكن ان تتجه نحو الشمال عكس اتجاه سير المياه ، لا بد من ان الطوفان قد حدث في الشمال واتجهت سفينة نوح نحو الجنوب ورست في منطقة الجبال المذكورة ، وأيضا ان بابل كمدينة لم تظهر في بداية دعوة نوح ، ويقال انها كانت مدينة لا شان لها أيام السومريين وذلك في حدود سنة 3000ق.م ، وأن بابل قد اشتهرت أيام الأكديين وبالتالي شهور بالبل كعاصمة لامبراطورية عيظمة كانت في زمن ( سرجون الأكدي ) مما جعل المؤرخين قديماً يعتبرون بابل قديمة وأكبر من حجمها الطبيعي ( 20) ثم ان ابن نوح قال كما قال القرآن : سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ( هود/33) وهذا يعني ان الجبال كانت قريبة من مساكن قوم نوح ، أي أنهم سكنوا شمال العراق وليس جنوبها وقد كانت منطقة شمالي العراق آهلة بالسكان منذ هجرة ذرية آدم إليها
الحالة السياسية في عصر نوح:
كانت العراق تابعة لبلاد الشام أيام ذرية آدم وإلى زمن ادريس لكنها انفصلت واستقلت عن الشام بعد بروز قوى سياسية في شمالي العراق ، وهذه القوى بدات تستقل أولاً من الناحية الصناعية والعمرانية وتتقدم على بلاد الشام ، ثم ان هذه القوى انتشرت نفوذها وسط العراق باتجاه خطي دجلة والفرات ، ويتبين ان السبب الأقوى لاستقلال القوى السياسية في بلاد العراق عن الشام هو انحراف العقيدة التي ظهرت بوادرها الأولى قبيل 4000ق.م ولكن ملامحها تشكلت بعد هذه الفترة الزمنية إلى جانب لا ننسى دور ( دويلات المدن ) التي ظهرت في هذه الفترة في العراق ككيانات سياسية منفصلة ثم توحدت بعد ذلك سياسياً ودينياً واستقلت عن الشام
وظهرت علاقات تجارية بين مصر ودويلات المدن وبينها وبين الشام فقد وجد الفخار الملون في مصر وهو من نتاج حضارة دويلات المدن ( حضارة جمدة نصر) التي عاصرت حضارة ( جرزة) المصرية (21)
وبعد الطوفان وجدت آثار حضارية لدور ( جمدة نصر ) وعصر فجر السلالات ودور العبيد على السواحل الشرقية للمملكة العربية السعودية ، وفي واحة البريمي في أبوظبي ( 22) ، وهذا يعني بوجود نوع من العلاقة بين هذه الدويلات والقوى السياسية المجاورة لها واعتقد ان العلاقة في البداية كانت سياسية ولكن بعد الطوفان هاجرت اعداد كبيرة من البشر إلى جنوب العراق بمحاذاة الساحل الغربي للخليج وشكلت وحدات سياسية هناك في حدود 3000ق.م وامتد نفوذها إلى بلاد عمان وحضرموت بظهور قوم هود وقيام حضارتهم ، وشهد جنوب العراق في البداية هجرة السومريين لها وتكونت مدن هامة فيها مثل ( كيش ) و (لجش) و ( أور ) ( 23)
يعتبر السومريون بناة حضارة عظيمة في بلاد الرافدين ، وقد ظهروا على المسرح السياسي في حدود سنة 3500ق.م ، هذا واختلف المؤرخون في أصل السومريين ن منهم من قال انهم جاءوا من الجبال الشرقية بين العراق وإيران ، وجففوا الأراضي القريبة من مصبي الرافدين لإقامة الزراعة عليها ، ومنهم من قال انهم من الشعوب القديمة التي سكنت بلاد الرافدين وهناك قول ثالث أنهم قال أنهم جاءوا من جبال كردستان من جهة الشرق واتجهوا جنوب العراق ووجدوا قبائل رحل في منطقة فأخرجوهم منها ( 24)
اعتقد أنهم جاءوا من إيران بعد أن عرفوا ان طوفاناً سوف يعم بلاد الرافدين وكانوا أصحاب حضارة ودين وجاءوا كي يحلوا محل قوم نوح في عمارة بلاد الرافدين بعد هلاكهم بالطوفان ، وقد ذكروا في تراثهم الطوفان وأن سبب الطوفان غضب الإله لكفر الإنسان ولهذا اشتهروا بتقديم القرابين لإرضاء الإله وشكره ( 25)
يعتقد السومريون أن الملكية هبة من السماء وأن الصالح من الناس هو الذي يجب أن يحكم كي يطبق حكم الإله ، واشتهر ( أورروكاجينا ) من بيننهم بالصلاح ، حيث قام بإصلاحات بعد أن قام بانقلاب عسكري وسيطر على زمام الأمور في دويلة 0 لجش) وطهر البلاد من الفساد الإداري والخلقي ، وقال في قوانينه انه قام بالإصلاح بأمر من الإله ( تنجوسو) وهو إله دويلة (لجش) وانه جاء ليرفع الظلم من كاهل الفقراء والفلاحين ، وظهر هذا المصلح في حدود 2378ق.م وحكم لمدة ثمان سنوات ، ولكن نتيجة تآمر المترفين من الداخل عليه والذين لم يؤيدوا إصلاحاته فقد اتفقوا مع حاكم دويلة ( أوما ) المجاورة واسمه ( لوكال زاكيري) الذي هجم على ( لجش) وأسقط الحكم وقضى على (أوروكاجينا) وأصبحت ( لجش) تابعة لحكم ( أوما) ، وقال أتباع ( أوروكاجينا ) ان ملك ( اوما ) سوف يلقي نفس مصير ( أوروكاجينا ) وان السومريين سوف يقضي على ملك (أوما) نتيجة ابتعاده عن الدين وسوف يأتي قوم يخلفونهم ، بالقعل ظهر قائد عسكري واسمه ( سرجون الأكدي) وهو من الساميين من ذرية نوح الذين خرجوا من الجزيرة العربية واستطاع ( سرجون ) ان يقضي على ( لو كال زاكيري) ويقيم دولة كبيرة وهي الأمبراطورية الأكدية (26)
الحالة الدينية في هذا العصر :
لما كثر نسل آدم وتميزوا عن الأجناس البشرية المنقرضة بكمال العقل ، فقد أشادوا حضارة كبيرة ومن مظاهرها تقدم الزراعة الصناعة ونشر العدل في ربوع الأرض ، وكانت النفوس على الفطرة ولم تظهر الأنانية بشكل صريح وكان الناس راضيين بحكم الأنبياء من ذرية آدم وكان هدف هؤلاء الأنبياء هو حفظ شريعة آدم وتثبيت العقيدة في النفوس
وكان بعض الأنبياء ملوكاً ولكن في عصر نوح بدأت فئة المترفين تسيطر على زمام الأمور كما مر ذلك في شمالي العراق وذلك لبعد المنطقة عن مركز النبوة بالشام ، ولحسن نية الناس بمن يمثلهم ويدير شئونهم ، وأصبح المجال مفتوحاً لفئة المترفين من تغيير مفاهيم الناس عن الحياة والكون الإنسان بعد تسلمها الحكم وظهر الانحراف العقائدي في قوم نوح كعبادة الأصنام وعدم الإيمان بالبعث والاستهزاء بالأنبياء والمصلحين قال تعالى : كذبت قوم نوح المرسلين (27) وأصبحت فئة المترفين تفكر بالأمور وتنظيم شئون الناس أضل من اتباع الأنبياء ، خاصة اتباع نوح الذي لا رأي ولا فكر لهم (28) وظهر الجدال كأسلوب لمقارعة اتباع الأنبياء ، وبدأ الناس يعتمدون على تنظيم أفكارهم وما تمليه النفس عليهم لذا أخذ قوم نوح يجادلون بنيهم في أمور النبوة والبعث ، قال تعالى : قالوا يا نوح قد جادلتنا فاتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ( 29) وعلى الرغم أن الأنبياء يستخدمون أسلوب النصح والإرشاد إلا أن الكفار يعتبرون ذلك جدالاً فيجادلون الأنبياء وقد يعد قوم نوح أول من استخدم أسلوب الجدال مع الأنبياء
وظهر التمايز الطبقي في قوم نوح بعد سيطرة المترفين على زمام الأمور ، وزادت ثروة هذه الفئة بعد تحسن الزراعة نتيجة توفر مقوماتها قال تعالى: ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهاراً ( 30) وساد العرف وفعل الأجداد والآباء محل القانون الإلهي وأصبحت مقولة : إنا وجدنا آباءنا على امة وإنا على آثارهم مقتدون (31) ديدن الكفار أمام الدعوة الإلهية ، لذا كان لا بد من ظهور شريعة جديدة تصحح مفاهيم الناس بعد هذا الانحراف ( 32)
الطوفان :
أول عقاب جماعي ينزل على بني آدم هو الطوفان الذي حدث في عصر نوح وذلك في حدود سنة 3500ق.م بعد أن كذب قوم نوح بآيات الله سبحانه وبرسله
هل الطوفان عم الأرض كلها أم عم أرض بلاد الرافدين فقط؟
اختلف المؤرخون في ذلك إلا أن الرأي القائل بعدم عمومية الطوفان في كل الأرض هو الراجح لأسباب منها أن الآيات القرآنية لم تتعرض إلا إلى غرق قوم نوح فقط( 33) ويقول أهل فارس القدماء ان الطوفان قد حدث في بابل ( بلاد الرافدين) فقط وأن مساكن ولد جيومرث ( آدم) كانت بالمشرق فلم يصل إليهم (34) حدثت في العراق سنة 4000ق.م سلسلة من الفصول المطيرة غير العادية بسبب فيضان الأنهار كذلك حدثت فيضانات 3400ق.م وأشار السومريون إلى هذه الفيضانات التي حدثت في عهد نوح ( العائلة البشرية ، زرقانة) ويقول بعض أن الطوفان شمل الأرض بدليل قوله تعالى : وجعلنا ذريته هم الباقين ( الصافات / 77، والشعراء /119 إلا أن سيادة ذرية نوح بعد الطوفان وانتشارهم في منطقة الشرق الأوسط ليس معناه شمول الطوفان كافة الأرض وإنما انتماء الشعوب المعاصرة للقرآن إلى هذه الذرية مع وجود بشر من غير نسل نوح يعيشون خارج هذه المنطقة سواء قبل أو بعد الطوفان ولم تكن معروفة لدى معاصري الدعوة الإسلامية ، وهناك أقوام من لا يقر ان الطوفان كان عاماً وغطى كل الأرض مثل أهل الهند وأهل الصين على اعتبار أنه غير عام ، على الرغم من ان التراث والدب العالمي تناول مأساة الطوفان مبيناً سبب هذا الطوفان هو قصور الإنسان وانحرافه ، وأن الطوفان يعد حدثاً تاريخياً وفاصلاً بين عصرين متميزين : عصر سلالات ما قبل الطوفان وعصر سلالات ما بعد الطوفان ، وأن الطوفان كان خاصاً بدليل أن سفينة نوح قد رست على جبل الجودي ( أرارات) وهو امتداد لسلسلة جبال أرمينيا ويعتبر جبل الجودي الآن من جبال الموصل على الرغم من ان بعض يعتبره جبلاً يقع في منطقة ديار بكر من الجزيرة ( 35) ، وتبين الاكتشافات الآثارية الحديثة ان الطوفان قد عم بلاد الرافدين اكتشاف ووجود الطمى والغرين فيها مما يدل على وجود فيضانات جارفة قد عمت المنطقة في عصر قبل التاريخ ( 36)
قصة عاد:
جاء ذكر قوم هود بعد قوم نوح في كثير من الآيات القرآنية ، لكن ذكر ان التوراة لم تتعرض إلى ذكر أي من قوم هود او قوم صالح ( عاد ، وثمود) وذلك ان اليهود يكرهون أن يذكروا شيئاً عن مآثر ومناقب بني إسماعيل بن إبراهيم ( 37) إلا أن هذا القول يرده مقولة اليهود المعاصرين للدعوة الإسلامية للأوس والخزرج ان نبياً مبعوث الان قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ( 38)
قبيلة عاد تنسب إلى عاد بن عوض بن لارم بن غاثر بن إرم بن سام بن نوح ، وعاشت في حدود 3000ق.م ، إذ بعد انتشار أولاد نوح في الأرض بعد الطوفان استقر بعض ذرية نوح جنوب الجزيرة العربية وبالذات في منطقة الربع الخالي الان ، وأقامت مدينة عظيمة ذات قصور عالية \\\" إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد \\\" ( 39) وأسرفوا طغوا في البناء والعمران نتيجة تكبرهم وتقدمهم على المم الآخرى في مجال العمارة ، يقول تعالى :\\\" الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد \\\" ( 40) ، فبسطوا نفوذهم على مناطق مجاورة لهم واستبعدوا شعوبها (41) هذا ودلت الاكتشافات الآثارية على وجود بقايا نهر كبير في منطقة الربع الخالي الان ووجدت آثار بقايا حيوانات ، وقد أشار المؤرخ القديم ( هيرودوت ) إلى هذا النهر وسماه نهر ( كورس) في الجزيرة العربية وهذا النهر يصب في البحر الأحمر وهناك نهر آخر اسمه (قرح) بقرب البحر الأحمر وأن قوم هود قد اهلكوا بقرب هذا النهر وهذا يعني ان قوم هود كانوا يعتمدون على الزراعة لتوفر مقوماتها منها وفرة المياه وخصوبة التربة ( 42) استقلت عاد بعد ازدهار حضارتها عن السومريين الذين كان نفوذهم ممتد إلى جنوب الجزيرة العربية وذلك في الفترة الواقعة بين سنة 3000ق.م و2500ق.م يقول تعالى :\\\" واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم بسطة في الخلق فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ( 43) فقد كانت لعاد قوة عسكرية مما ساعدهم على الاستقلال عن السومريين ، قال اتعالى :\\\" قالوا من اشد منا قوة\\\"( 44) ويفهم أن عاداً ورثوا واقتبسوا من حضارة السومريين الشيء الكثير ، والدليل على ذلك أنه عثر في مساكن عاد على المرمر وعليه كتابة بالخط المسماري الذي اخترعه السومريون
بعد الطوفان ظهر عصر السلالات او دويلات المدن ، وأصبحت المدينة دويلة في بداية امرها وظهر تنافس بين هذه الدويلات خاصة في بلاد الرافدين وأيضا في جنوب الجزيرة العربية ، مما أدى إلى استقلال الدويلات بعد توحدها تحت زعامة قائد قوي ( عاد) عن بلاد الرافدين ، وقامت دولة عاد ، وفي البداية كان هناك اتحاد قبلي ترأسه قبيلة عاد التي اشتهرت بكثرة عدد أفرادها وتنامي قوتها العسكرية ، وعلى رأس المجلس القبلي شيوخ القبائل ( طبقة الملأ) وعبر القرآن عن هذه الطبقة ب ( المجرمين ) يقول تعالى :\\\" ولا تتولوا مجرمين ( هود/ 52) وقد ناصر هؤلاء المجرمين أصنامهم إذ لكل قبيلة صنم كما هو الحال بالنسبة لقبيلة قريش ، إذ وقفوا ضد دعوة هود الوحدانية بكل قوة كي ينصروا آلهتهم يقول تعالى :\\\" وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك \\\" (هود/ 53) وأشهر أصنامهم : صدا وصمودا وهرا ( 45)
بعد ظهور ملك قوي وهو شيخ قبيلة عاد وحد القبائل الأخرى تحت قيادته وأخذ يدعو إلى عبادة صنم واحد بدلاً من عبادة عدة أصنام وفرض ذلك على بقية القبائل وبسط هذا الملك نفوذه على اجزاء كبيرة من الجزيرة العربية وكون شبه امبراطورية ، لذا فرض عقيدة الشرك بجنوب الجزيرة العربية
بعث تعالى نبيه هود إلى عاد وأمرهم بالرجوع إلى دين الفطرة والتوحيد إلا ان قومه أصروا في غيهم وطلبوا البينة والحجة والدليل على صدق دعواه ( هود/53) وواصلوا العناد والإصرار على الكفر حتى انزل تعالى عليهم العذاب ( الحاقة / 6-7) وكان العذاب على شكل الصيحة ، وقبلها أصاب القوم قحط شديد بسبب عدم نزول المطر عليهم لمدة ثلاثة أعوام بهدف ان يتوبوا ويرجعوا إلى ربهم تعالى ، وعند دنو العذاب او الصيحة او الريح الصرصر العاتية محملة بالأتربة والغبار الكثيف رأوا في السماء السحب فاستبشروا بها ( الأحقاف /24) ودفنت مساكنهم ومن فيها تحت الرمال في منطقة الربع الخالي جنوبي الجزيرة العربية ( 46)
قصة ثمود:
جاء ذكر ثمود بعد قوم هود في القرآن الكريم :\\\" واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد \\\" الأعراف/ 74 ، ويحتمل مؤلف كتاب \\\" التاريخ الجغرافي للقرآن \\\" ( A geographical History of Quran ) ان ثمود عاشت ما بين 1800-1600ق.م قبل النبي موسى واعتقد ان ثمود عاشت قبل هذه الفترة لاعتبارات تاريخية ودينية ومنها الآية السابقة أي أنهم ورثوا حضارة عاد التي سقطت بعد سنة 2500ق.م
ظهرت قبيلة ثمود في منطقة الحجر وهي واقعة بين بلاد الحجاز وتبوك ( 47) وهناك قول ان ثمود تقع في الجنوب الشرقي من أرض مدين ( 48) وينقل بعض المؤرخين المسلمين أن رسول الله (ص) مر على تبوك في إحدى غزواته فنزل بالمسلمين عند ( الحجر) وهي بيوت ثمود وأن المسلمين رأوا الآبار والآثار لقوم صالح ( 49) واعتقد أن هذه الآثار لمدينة ميدن التي ظهرت بعد هلاك قوم صالح وهجرة صالح ومن معه من المؤمنين إليها ويسمون بثمود الثانية وقد ورد ذكرهم في المصادر الرومانية والآشورية إذ أن الرومان قد سيطروا على (بترا) والمناطق المجاورة لها ، وان سرجون الأشوري ( 722-705ق.م ) قد غزا شمال الجزيرة العربية واحتل ديار ثمود الثانية ( 50)
تعتبر الحجر اهم مدن ثمود وتقع بين الطريق التجاري بين الحجاز والشام وتسمى الآن مدينة صالح نسبة إلى النبي صالح وقبيلة ثمود تنتمي إلى عاد الثانية التي هاجرت قبل هلاك عاد الأولى إلى مكة ومن ثم إلى الشام ، في هذه الفترة كانت بلاد الشام تشهد عدة وحدات سياسية مستقلة مثل قوم ثمود الذين بلغوا اوج حضاررتهم في عهد صالح حيث قطعوا الأحجار من الجبال لبناء البيوت والقصور يقول تعالى \\\":وثمود الذين جابوا الصخر بالواد\\\" ( الفجر/ 9) وقوله تعالى :\\\" وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين \\\" ( الحجر/ 82) وقد اتخذوا الجبال سكناً لهم من اجل طلب الأمان في منطقة تتعرض إلى هجمات من القبائل الرحل ، إذ كانوا يسكنون الغيران والكهوف المنحوتة من الحجارة آمنين من الحوادث الأرضية والسموية بزعمهم ( 51) كذلك قد يكون بسبب طيب هواء الجبال خاصة في فترة الصيف ، مع هذا فقد كانوا يتباهون في البناء ويستكبرون على غيرهم بل وبسطوا نفوذهم على الأراضي المجاورة لهم فاحتلوا القسم الجنوبي لبلاد الشام
النظام السياسي لثمود نظام قبلي ، وعلى رأس هذا النظام مجلس الملأ ويمثله رؤساء القبائل والعشائر ولهم رأي في الأمور الهامة وقد عبر القرآن الكريم عن طبقة الملأ ب ( المسرفين) ، يقول تعالى :\\\" ولا تطيعوا امر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون \\\"( الشعراء/ 151-152 ) وفي مورد آخر من القرآن ان عدد هؤلاء المسرفين تسعة رجال ، كما يقول تعالى :\\\" وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون \\\"( النمل/ 48) على أي حال هؤلاء المفسدون كان دورهم واضحاً في إبعاد الناس عن النبي صالح ، إلا ان صالحاً استطاع ان يكون جبهة ضدهم ( هود/ 62) نتيجة انقسام المجتمع الثمودي إلى قسمين ، يقول تعالى:\\\" ولقد أرسلنا إلى ثمود اخاهم صالحاً ان اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون\\\"( النمل/ 35) ، فريق مستكبر وعلى رأسهم رؤساء العشائر وفريق مستضعف وعلى رأسهم نبيهم صالح ( الأعراف/ 75) لقد احس المستضعفون بالظلم والتمايز الطبقي الذي مارسه المستكبرون من قومهم عليهم على الرغم من ان بعضهم ينتمون إلى قبيلة واحدة ( قبيلة ثمود) وبقية المستضعفون جاءوا إلى ديار ثمود طلباً للرزق بحكم ان البلاد كانت مفتوحة جغرافياًَ وحاجة البلاد إلى الأيدي العاملة لبناء البيوت والقصور وممارسة الزراعة ، هناك رأي يقول ان ثمود ورثت نحت الصخور من مصر التي شيدت اعظم البناء وهو بناء الأهرامات قبل سنة 2000ق.م وهذا يعين وجود علاقة بين ثمود ومصر في هذه الفترة ولا يبعد ان ثمود كونت علاقات أيضا مع دويلات المدن في بلاد الرافدين وشمال بلاد الشام واحتمال ان ثمود أرادت ان تكون مملكة على غرار مملكة عاد ( امبراطورية ) إلا ان كفرهم وصدهم عن السبيل أدى إلى نزول العذاب عليهم واستئصالهم أو هلاكهم
سادت عبادة الشرك والوثنية في ثمود مثلما سادت في قوم نوح وهود من قبل ، لم اجد في الآيات القرآنية التي جاء فيها ذكر ثمود وصالح صراحة انهم كانوا يعبدون الأصنام كما في السور: الأعراف وهود والحجر والشعراء والنمل والقمر والشمس ، لكن هناك دعوة من نبيهم صالح إلى التوحيد او عبادة الله ( الأعراف/ 73، والنمل/ 45) وهذا يكفي انهم كانوا مشركين وأنهم كانوا على ملة اجدادهم ( هود/ 62) ، لهذا الاحتمال أنهم كانوا يعبدون الأصنام ، وقفت ثمود في وجه الدعوة الإلهية وأنكرت كل دعوات نبيها المرسل إليها لأن هذه الدعوة تهدم بيان ملتهم ( 52) ان ثمود تريد فرض الشرك على الأقوام المستضعفة ، وجمدت وظيفة العقل الذي ينادي بالتحكم إليه رب العالمين وسارت ثمود على العرف القبلي الذي ورثتها من الأجداد والآباء وأصبحت التقاليد الموروثة حجر عثرة أمام دعوة صالح ( الأعراف/ 28) كانت ثمود من سلالة الناجين بعد هلاك قبيلة عاد ، وقد كانت على الهدى بعد ان أنقذهم ربهم مع نبيهم هود ، ولكنهم انحرفوا نعد وفاة هود والصالحين من اتباعه ( 53) البعد الزمني بين هلاك عاد الأولى وبداية تكوين الوحدة السياسية لثمود في الحجر ساعد على ظهور الانحراف في العقيدة لدى ثمود ويتمثل هذا الانحراف بتعدد الآلهة ( ص/5 ) طلب أهل الحجر من نبيهم معجزة على صدق دعواه :\\\" فأت بآية إن كنت من الصادقين \\\"( الشعراء/ 153) ، أرسل لهم تعالى ناقة على ان يخصص لها يوم كامل للسقي ويوم آخر للناس يسقون ( الشعراء/155) ، تآمر المفسدون على قتل الناقة بل وأرادوا قتل نبيهم صالح سراً حتى لا تطالب عشيرته بدمه عند اليأس من معرفة القاتل ، فعقروا الناقة فأنزل تعالى عليهم العذاب وأنقذ نبيه وأصحابه من كيد اهل الحجر ( هود/ 66-67)
مميزات عصر نوح:
- سيادة عبادة الأصنام خاصة في بلاد الرافدين ( قوم نوح ) وفي جنوب شبة الجزيرة العربية ( قوم عاد) وفي بلاد الشام (قوم صالح)
- ظهور طبقة الملأ ودورها في تحريف عقائد الناس
- هلاك وانقراض أقوام إلى درجة لم يسجل التاريخ ولا التوراة والانجيل لها ذكر إلا قليلاً
- ظهور شريعة جديدة مكتوبة وهي شريعة نوح تعالج قضايا المجتمع وشئون الناس
- ظهور دويلات المدن وبالذات على يد السومريين الذين جاءوا بعد الطوفان وأقاموا حضارة كبيرة في بلاد الرافدين
- مواصلة الهجرات الكبرى خاصة بعد الطوفان وانتشار أبناء وذرية نوح في أرجاء الأرض

عصر النبي إبراهيم
2000 -1200ق.م
يعتبر إبراهيم شخصية دينية وتاريخية كما تدل الآثار التي ذكرها احمد سوسة في كتابه \\\" العرب واليهود في التاريخ \\\" ويفد من يعتقد ان هجرة إبراهيم الخليل حقيقة غير واقعية ، ويشير إلى انه قام بدعوة التوحيد في بلاد الرافدين التي ساد فيها النظام الوثني ( عبادةا الأصنام والكواكب) ، وإن إبراهيم هاجر من بلاد الرافدين حوالى 1940ق.م باتجاه بلاد الشام ماراً على ( حران) ثم هاجر إلى مصر في عصر سنوسرت الثاني وهو من الأسرة الثانية عشر الفرعونية في حدود 1904ق.م ، ويعتبر هجرة إبراهيم إلى مصر أمراً طبيعياً بحكم العلاقة بين الكنعانيين ومصر في هذه الفترة التاريخية ، ويعتبر أحمد سوسة إبراهيم من سلالة الملوك البابليين الذين جاهروا بالتوحيد ( 54)
قبل سنة 1910ق.م كان الوضع السياسي متدهوراً في بلاد الرافدين حيث ظهر الصراع بين الإمارات: لاسا وآيسن وأور ، وأسفر الصراع إلى سيطرة أور على زمام الأمور ، وفي هذه السنة بدأ إبراهيم دعوته وتحدى سلطان زمانه ، وقاد إبراهيم لواء التوحيد منذ أن بعث نبياً وتصدى لقومه رافضاً عبادة الأصنام وبيان زيفها ( الأنبياء/63-66) وقد اتخذ قوم إبراهيم الكواكب أصناماً لهم نتيجة لتطور علم الفلك لدى البابليين لكنهم ألغوا عبادة الكواكب وعكفوا على عبادة الأصنام ، لذا أصبحت عبادة الأصنام سائدة في بابل ( 55) ، وكسر إبراهيم الأصنام ليحطم بذلك قدسية الأصنام في أذهان الناس لذا بدأ اتباعه يزيدون
وظهرت عبادة أخرى في عصر إبراهيم إلى جانب عبادة الأصنام وهي عبادة الفرد او عبادة الامبراطور ، بعد ان ساد نظام الدول الكبرى ( الامبراطوريات) ، وتحدى إبراهيم هذه العبادة مثلما تحدى عبادة الأصنام ، يقول تعالى :\\\" ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ان اتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتب ها من المغرب فبهت الذي كفر ( البقرة/258) وكف الملك عن إبراهيم بعد ان رأى المراء والوزراء قد تأثروا بمنطق إبراهيم لكنه بدا يؤذي إبراهيم بل وسجنه فبدأ إبراهيم يؤثر على السجناء فأمر الملك نفيه إلى خارج أور ( 56)
خرج إبراهيم من أور باتجاه شمال العراق وقد نقل القرآن عن إبراهيم انه اتخذ أسلوب الاعتزال وعدم الاختلاط بالناس طلباً البيئة الصالحة وتكوين القاعدة الشعبية لدعوته فانتقل من مكان إلى آخر ، : \\\" واعتزلكم وما تدعون من دون الله \\\"( 57) وقد سكن بعد خروجه من أور منطقة حران وهي تقع في تركيا الحالية وكانت مركزاً تجارياً بين نينوى وكيش وكان مع إبراهيم في رحلته هذه النبي لوط وأتباعه من المؤمنين
يعتبر إبراهيم الأب الروحي والنسبي للبشرية بعد آدم ونوح ، ومثلما انتشرت ذرية آدم ونوح في أرجاء الأرض بهدف الإكثار من النسل و إعمار الأرض فأن إبراهيم كان صريحاً في دعوته من الله سبحانه بطلب الذرية الصالحة ( البقرة/124) وكان من ذريته الأمة المسلمة وعلى رأسها نبينا محمد (ص) فهو من نسل إسماعيل الابن الأكبر لإبراهيم ومن ذريته بني إسرائيل خاصة الأنبياء منهم الذي ينحدرون من ذرية إسحاق الابن الثاني لإبراهيم ( الأنبياء/72)
مميزات عصر إبراهيم:
1- بدأت البشرية تستجيب نوعا ما لمنطق العقل خاصة وأن الملوك تسامحوا مع اتباع الأنبياء وعلموا ان اتلحدي لمر السماء من الأمور الخاسرة وقد خسر نمرود وفضح أثناء جداله مع إبراهيم وبعد ان أنقذ الله عز وجل نبيه إبراهيم من النار ( الأنبياء 68-70) وبعد ان فشل نمرود في الإخلال بنظام الكون ( البقرة/258) وأيضا فشل فرعون مصر في وقف دعوة إبراهيم بالوحدانية بمصر عندما هاجر إليها إبراهيم ، وقد مكث إبراهيم ثمان سنوات في مصر أيام حكم سنوسرت الأول ( 58) ، وعاش المؤمنون من ذرية إبراهيم في مصر فترة من الحرية الدينية ودون ضغط خاصة أيام النبي يوسف ( يوسف/56) وقد كان ملكها قد عين يوسف على خزائن مصر
2- ظهور عقيدة الإيمان بالمغيبات والتنبؤ بالمستقبل ، يقول ( ول ديورانت ) في كتابه ( قصة الحضارة ) : فلم يدرس البابليون النجوم ليرسموا الخرائط التي تعين على سير القوافل والسفن بل درسوها لتعينهم على التنبؤ بمستقبل الناس ومصائرهم ( 59) رأى إبراهيم ان العقل البشري أراد احتواء المغيبات وما يحيط به المستقبل من الأمور ، فقال إبراهيم لقومه انه يعلم ما يعلمه المنجمون وان قوله بخصوص الدعوة إلى الله عز وجل صادق ، وأراد ان يبين خطأ المنجمين خاصة بعد رواج علم التنجيم بخصوص التنبؤ بالمستقبل وان هذا الأمر أي الغيب بيد رب العالمين وعلى المنجم ان يتدبر آيات الله ويتعرف على سننه في الحياة والكون كي يقوي إيمانه بالله سبحانه ، كذلك أن يرتبط العبد بخالقه من خلال الدعاء فيكشف له ربه خزائن علمه ( الإلهام والوحي ) وفي زمن النبي يوسف ظهرت مشكلة تتعلق بالغيب وهي حلم ملك مصر فطلب التفسير من المنجمين فلم يحلوا المشكلة بعد ان فندوا كل حلم ( يوسف/44) فسر النبي يوسف الحلم ليبين للناس ان الأمور الغيبية بيد رب العباد ورب الأرباب وأنقذ يوسف مصر من الجفاف والقحط ( يوسف/47) هذا وتعرض د. عبدالحميد زايد إلى قصة يوسف دون ذكر اسمه إلا بالقول : خازن ملك مصر السفلي ( الخازن الهكسوسي ) (60)
3- ظهرت الامبراطوريات في هذا العصر حيث ظهرت دول كبرى في كل من العراق وبلاد الأناضول ( تركيا ) ومصر ، وأخذت هذه الدول الكبى تبسط نفوذها على المناطق المجاورة لها لتكون امبراطوريات ، وظهرت اولى هذه الامبراطوريات في بلاد الرافدين وهي الامبراطورية الأكدية بزعامة ( سرجون الأكدي 2334-2154ق.م ) وهو من أصل سامي نسبة إلى سام احد أبناء النبي نوح ، واستطاع (سرجون ) ان يغزو الشام من اجل جلب النحاس والحجارة وخشب شجرة الأرز ، وجاء بعده حفيده ( نارام –سن 21370-2133ق.م ) الذي لقب نفسه ملك الزوايا الأربع ( 61) وجاءت امبراطورية أور الثالثة ( 2112-2004ق.م ) التي ورثت ممتلكات امبراطورية اكد ، وشهدت بلاد الرافدين بعد ذلك عصراً جديداً وهو العصر البابلي القديم ويمتد من 2004-1594ق.م ، فظهرت سبع سلالات متنافسة فيما بينها ببلاد الرافدين ، وأشهر ملوك هذا العصر الملك ( لبت- عشتار ، 1934-1924ق.م ) وله شريعة وقانون تشبه شريعة حمورابي ، وحمورابي يعد من سلالة بابل الأولى حيث وحد البلاد من أقصى شمال ما بين النهرين وغلى الخليج العربي ثم بسط نفوذه على بلاد الشام وبلاد عيلام ( إيران) ( 62) ، وفي مصر قامت المملكة الوسطى على انقاض المملكة الأولى وحكمت المملكة الوسطى من (1991-1792ق.م ) وبدأت بتوحيد مصر وتوسعة رقعة الدولة من خلال التوسع العسكري بالاستيلاء على بلاد النوبة جنب مصر وفلسطين في بلاد الشام ، ثم ظهرت امبراطورية جديدة بعد ذلك وبعد طرد الهكسوس الذين حكموا مصر قرناً ونصف القرن من الزمان ، وقد ظهر النبي يوسف في زمن الهكسوس وواصلت الامبراطورية الجديدة بضم بقية بلاد الشام ومن أشهر ملوكها ( أخناتون) الذي وحد الآلهة وقام بالإصرح الديني إلا ان الكهنة عارضوه وأثاروا الشعب عليه ضده مما ساعد ذلك على انفصال بلاد الشام عن مصر ، وقامت بعد ذلك السلالة التاسعة عشرة في مصر واستطاعت ان تحافظ على فلسطين وظهر تعاون بين مصر والحثيين أيام رعمسيس الثاني ( 1361-1234ق.م ) وفي عهد منفتاح الذي حكم مصر بين ( 1234-1215ق.م خرج موسى وجماعته من مصر ( 63)
4- ظهرت الشرائع والقوانين المدنية بعد قيام الامبراطوريات ، هذا وتأثرت هذه الشرائع بشريعة النبي إبراهيم التي تناولت الحياة العامة للناس خلال الألف سنة ابتداء من 2000-1000ق.م وتركزت الشرائع على التعامل مع الحكومات إذ كانت الدولة مترامية الأطراف ومتجانسة الشعوب ويطلق عليها الامبراطورية ، وتنظم هذه الشرائع علاقة الناس بالحاكم ( الامبراطور) وتنظم شئون العامل وأصحاب الحرف اليدوية مع أرباب العمل وعلاقة المزارع بجاره وكيف يحمي الفرد الذي يدين بغير دين الامبراطور نفسه من بطش السلطة ، وقديماً الإنسان كان يؤمن بدور الإله في وضع القوانين سأل أفلاطون كريتياً ( من جزيرة كريت) لمن ينسب تشريع قانونكم لإله ام لبشر ؟ فأجاب الكريتي لماذا انه ينسب إلى الإله بدون شك ( 64)
أهم الشرائع التي ظهرت في هذا العصر هي شريعة إشنونا حوالى سنة 1850ق.م وشريعة حمورابي (1752-1750ق.م ) وشريعة للحثيين وترجع إلى سنة 1350ق.م ولا ننسى الشرائع التي ظهرت قبل هذا العصر مثل شريعة الملك لبت عشتار ( 1934-1924ق.م ) وشريعة ملك أور مؤسس سلالة أور الثالثة ( 2113-2096ق.م

عصر النبي موسى
1200ق.م – 1 ميلادية
يقترن عصر النبي موسى باسم بني إسرائيل ، فقد تناول هذا العصر حياة امة بني إسرائيل التي أراد لها تعالى ان تقود الأمم في هذا العصر ، إلا أنها فضلت الكسل والعناد على النشاط والطاعة ، بدأت مسيرة بني إسرائيل عند دخول النبي يعقوب وبنيه أرض مصر بعد الجفاف والقحط الذي قد عم منطقة الشام ، وبعد أن اعتلى النبي يوسف منصب امين خزانة مصر ، وبقي بنو إسرائيل في مصر حوالى 400سنة ، إذ دخل النبي يعقوب مصر في عهد الهكسوس الذين حكموا مصر ما بين 1785-1580ق.م وكان النبي يوسف خازن للهكسوس ، وقد اختلف في أصل الهكسوس إلا أنه يعتقد انهم كانوا رعاة رحل خرجوا من أواسط آسيا ونزحوا إلى بلاد الشام ثم احتلوا مصر أبان ضعفها إثر نشوب الصراع الداخلي بين مصر العليا ومصر السفلى ، ثم طردوا على يد احموسس مؤسسة الأسرة الثامنة عشرة ولم يكن بنو إسرائيل من الهكسوس ، لذا بقوا في مصر بعد طرد الهكسوس إلى جانب لم يكن الهكسوس على ديانة التوحيد التي يدين بها بنو إسرائيل ( 65)
جاءت الأسرة التاسعة عشرة المصرية التي عاصرها النبي موسى وبالذات عاصر موسى زمن رمسيس الثاني وهو من أشهر ملوك هذه الأسرة وقد حكم حوالى 67 عاماً ، وكان جباراً وخلد اعماله على الاثار العمرانية لدرجة لم تخلو المناطق الآثارية في مصر من اسم رمسيس الثاني ، واستعان بالمرتزقة ومن بينهم بقايا بني إسرائيل في عمليات البناء ، وذلك لإذلالهم بعد ان كثر عددهم ومات كثير من أولاد هذا املك في حياته لهذا السبب قالت زوجته الثانية لما ألقي التابوت بموسى بقرب قصر فرعون : أنه طفل جميل لنتخذه ولداً \\\" وذلك بعد وفاة زوجته الأولى ، ولما أخبر المنجمون فرعون مصر ان ملكه سوف يسقط على يد احد الإسرائيليين ، فأخذ يقتل أبناء بني إسرائيل إلى درجة خاف مستشاروه من انقراض بني إسرائيل ، فأخذ يقتل سنة من الأطفال ويبقى بعضهم سنة أخرى (66)
هاجر النبي موسى من مصر بعد ان قتل قطبياً إلى أرض مدين ، وبعد عشر سنوات رد النبي موسى إلى أرض مصر نبياً في أواخر حكم ( مرنبتاح) الذي حكم مصر ثمان سنوات بعد رمسيس الثاني وعندما مات ( مرنبتاح) أو غرق بالحرى ترك العرش فريسة للاختلافات العائلية التي نشبت بين عدد من الأمراء ، واعتلى ( أرسو) من أصل سوري عرش مصر وبالتالي انهى عهد الأسرة التاسعة عشرة ، ( 67) ، لذا النبي موسى عاصر فرعونين من فراعنة مصر وليس فرعوناً واحداً ، وأن ( مرنبتاح) قد عاصر النبي موسى فترة نبوته واستطاع النبي موسى ان يخرج بني إسرائيل من أرض مصر بأمر من ربه ، ولما اعقبهم ( مرنبتاح) وجنوده أغرقهم تعالى في اليم ( البحر) وانجى بني إسرائيل
مر بنو إسرائيل مع نبيهم على قوم يعكفون على أصنام لهم فطلبوا من موسى ان يتخذوا أصناماً مثلهم ، وقد تأثر بنو إسرائيل بعقيدة الفراعنة خلال السنوات التي عاشوا في مصر ، بل وعبدوا العجل بعد ان غاب موسى عنهم لميقات ربه ، علماً ان هارون أخا موسى نهاهم فأرادوا قتله ( الأعراف / 150) وبعد ان تاب بنو إسرائيل سار بهم موسى إلى أرض كنعان ( فلسطين) وطلب من بعضهم ان يتحسسوا احوال البلاد والعباد ولما رجع هؤلاء إلى نبيهم موسى امتدحوا الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً إلا أنهم ثبطوا إخوانهم بان هناك عمالقة أقوياء ن فلا يستطيعون ان يقاتلوهم ، فجزاهم تعالى بالتيه يتيهون أربعين سنة في الصحراء ، وفي هذه السنين مات النبي موسى فخلفه يوشع بن نون ليقود بني إسرائيل إلى أرض الميعاد ( فلسطين)
لماذا خرج بنو إسرائيل من مصر؟
يقول مانثيون وهو مؤرخ مصري قد عاش في القرن الثالث الميلادي : أن سبب خروج بني إسرائيل من مصر هو رغبة المصريين في ان يتقوا شر وباء فشى بين اليهود ، وأخذ المؤرخون اليونان والرومان هذا القول وكرهوا الجنس السامي ، وهذا المؤرخ المصري تعصب لبني قومه ( المصريين ) والذين كرهوا اليهود وأنهم قوم قذرون ، ولعل هذا المؤرخ قد استقى معلوماته من مصادر فرعونية قديمة ضاعت مع الأيام ( 68)
في الحقيقة وكما قال القرآن خرج بني إسرائيل من مصر لأن الله سبحانه أراد ان ينقذهم من بطش فرعون ولأنهم حافظوا على شريعة إبراهيم وإسحاق ويعقوب حتى لا تندرس ملة إبراهيم ، وقد يكون هذا من باب أن تعالى أراد أن يربيهم وليكونوا عبرة لغيرهم من الأمم اللاحقة خاصة امة الإسلام كي يهاجروا وينشروا الهداية والتوحيد ( البقرة/47-50)
خرج بنو إسرائيل بعد سنين التيه من صحراء سيناء إلى فلسطين ، كي يطهروا الأرض المقدسة من الشرك ، لكن للأسف لم يستمر بنو إسرائيل في إطاعة الأنبياء عدا فترة داود وسليمان ، وبعد النبي سليمان انقسمت مملكته إلى قسمين ن قامت مملكة في الشمال وتسمى مملكة إسرائيل وعاصمتها ( سامرة) ومملكة في الجنوب وتسمى مملكة يهوذا وعاصمتها ( أورشليم) ولما قامت الامبراطورية الشورية الأولى 911ق.م بسطت نفوذها على معظم منطقة الشرق الأدنى ( الأوسط) طوال ثلاثة قرون ابتداء من 911-612 ق.م وفي زمن ( سرجون الأشوري) ( 721-705ق.م ) بسط نفوذه على بلاد الشام مرة أخرى وأسقط مملكة إسرائيل عام 710ق.م ونقل الكثير من اهلها أسرى إلى عاصمة الامببراطورية ( 69)
في عهد سنحاريب ابن سرجون الأشوري جرد حملة على بلاد الشام بعد قيام ثورات فيها وحاصر مملكة يهوذا في سنة 701ق.م ورفع الحصار بعد ان دفع ملك يهوذا الجزية ، وبعد جهود النبي أشعيا الذي طلب من ملك يهوذا ان يقف في حياد أثناء حصار الأشوريين مملكة إسرائيل (70) وفي سنة 626ق.م استطاع ( بنو بولاق ) ان يستقلوا ببابل وينفصلوا عن الامبراطورية الأشورية واتفقوا مع الماديين عام 614ق.م على الهجوم على مدينة ( أشور) التي سقطت بعد حصار طويل سنة 612ق.م ، وفي عهد الملك نبوخذنصر حاصر ( اورشليم ) سنة 597ق.م فاستسلمت المدينة وأسر حوالى 3000يهودياً وكان ذلك في زمن النبي ( أرميا ، 650-585ق.م الذي تنبأ بسقوط أورشليم ، وسبي هو أيضا لكنه هرب إلى مصر وعاش فيها إلى ان مات وله كتاب \\\" مراثي\\\" ) ، وفي سنة 586ق.م خلع الملك ( صدقيا) ولاءه لملك بابل وانحاز إلى فرعون مصر واستطاع الجيش البابلي ان يحاصر اورشليم وسقطت بيد البابليين وأسر حوالى 40ألف يهودياً إلى بابل (71)
بعد قيام دولة جديدة في إيران بقيادة ( كورش) ، اخذ يتوسع على حساب بلاد الرافدين وبلاد الشام وآسيا الصغرى فسقطت بابل على يده سنة 539ق.م واستطاع ان يرجع اليهود إلى ( أورشليم) ، وعلى قول ان ( كورش) كان موحداً بل وكان نبياً وأراد ان يرد هذا الشعب الذي كان في الظااهر يوحد الله سبحانه ( يهوه) ( 72) على أي حال لم يترك ( كورش) مجالاً ليحكم اليهود من جديد مع العلم انهم أعادوا هيكل سليمان ، إلا أن السيطرة الفارسية امتدت فشملت كل بلاد الشام ، فأصبح اليهود تحت سيطرة الفرس فترة من الزمن ، إلى ان احتل اليونان ثم بعد ذلك الرومان إلى بلاد الشام واليهود يؤمون ولاءهم إلى المنتصر والغالب
مفهوم الشعب المختار :
يقول تعالى :\\\" وهو فضلكم على العالمين \\\" ( البقرة/122 والأعراف/ 140) على لسان النبي موسى لبني إسرائيل بعد ان أمروه ان يجعل لهم أصناماً مثل القوم الذين مروا عليهم بعد ان انقذهم تعالى من فرعون وجنوده( ( الأعراف/ 138) واستطاع الجيل الذي تربى في التيه ان يفتح الأرض المقدسة وتكونت دولة يحكمها الأنبياء من بني إسرائيل ومن مهام هذه الدولة نشر التوحيد ومحاربة الشرك بالمناطق المجاورة لبني إسرائيل ، وكان الوضع الدولي مهيئاً أن يعلب بني إسرائيل دور الشعب المختار ، بعد موت فرعون كانت مصر تعيش في فوضى سياسية سيئة إلى درجة اعتلى شخصاً أجنبياً عرش مصر ، وفي هذه الأثناء انفصلت بلاد الشام عن مصر ، وفي الشرق انفصلت الدولة الأشورية عن البابليين في شمال العراق وظهر التنافس بين البابليين والأشوريين والعيلاميين في إيران ، وضعفت دولة أشور في حدود 1115ق.م وتعرضت أشور وبابل إلى هجمات من قبائل الآراميين حتى سنة 911ق.م ( 73) ولما حكم داود كان هدفه المحافظة على الدولة العبرية ونشر الهداية وهكذا في زمن سليمان النبي ، لكن اليهود تقاعسوا بعد النبي سليمان فجاء بعد سليمان أنبياء ليحافظا على الديانة وتصدوا للفكر الأغريقي الوثني
مفهوم \\\" الشعب المختار \\\" يرتبط بالرغبة الإلهية في إعطاء ومنح هذا المفهوم لأمة ما أو لشعب ما إذا أخلص لله وقام بنشر الدين ، لذا لما تقاعس اليهود عن دورهم الديني سلب منهم تعالى هذا المفهوم وأعطاه لأمة الإسلام كما في قوله تعالى :\\\" كنتم خير أمة أخرجت للناس \\\" ( آل عمران/ 110) ، وقد يتبادر إلى الذهن السؤال : كيف منح تعالى الأفضلية لبني إسرائيل وغالبيتهم متأثرة بعقائد الأقوام الوثنية ؟ الجواب منح تعالى الأفضلية والخيرية لأفراد منهم الأنبياء الذين يعتبرون قدوة في بني إسرائيل ، ولعل هذه الأفضلية جاءت نتيجة كثرة الأنبياء في بني إسرائيل ودورهم في نشر الهداية والتصدي للشرك والوثنية ( 74)
حركة أنبياء بني إسرائيل :
يعتبر الأنبياء في بني إسرائيل الصفوة التي قادت اليهود نحو طريق الهداية خاصة الأنبياء الذين جاءوا بعد داود وسليمان وبعد انقسام دولة النبي سليمان ، يعتبر ( عاموس) اول الأنبياء ظهوراً بعد قيام المملكتين اليهوديتين ، ظهر هذا النبي قبل سنة 750ق.م وأخذ يدعو إلى الإله الواحد والتحلي بالأخلاق الفاضلة بعد ان ساد الفساد الخلقي ( الشذوذ الجنسي) بأمة بني إسرائيل ، وبعد تأثرها بالوثنية ، فأخذ هذا النبي يندد وينذرها بعاقبة الانحراف وان العقاب الإلهي سوف يحل لا محالة على الأشراف والكهنة وحاشية الملك ن وكان يهدد بسقوط المملكتين وتنبأ ان بني إسرائيل سوف يصبحون أسرى وعبيد بيد الكفار ( 75)
ظهر نبي آخر وهو النبي ( أشعيا الأول )بعد النبي ( عاموس) حوالى 725ق.م وعاصر هذا النبي حصار ( سامرة) عاصمة مملكة إسرائيل وسقوطها على يد الأشوريين وقد طلب هذا النبي من ملك ( يهوذا ) ان يقف موقف حياد أثناء الحصار كي لا تسقط مملكته ، وذلك يعلم هذا النبي انه لا فائدة من الوقوف أمام عدو وقوي ، وان ذلك عقاب لإنحراف اليهود وبعدهم عن التعاليم الإلهية ، فكان دور ( أشعيا ) النبي هو المحافظة على مملكة يهوذا من السقوط بيد الأعداء والمحافظة على البقية المؤمنة ، ونجح أشعيا في رفع الحصار عن مملكة يهوذا حوالى701ق.م ودفع ملكهم الجزية للأشوريين ، وجاء بعد النبي ( أشعيا الأول ) النبي ( أرميا) وعاصر سقوط ( أورشليم) عاصمة مملكة (يهوذا) وقبل ان تسقط على يد البابليين أخذ النبي ( أمرميا) يندد بحياة الترف والفساد التي عاشها المجتمع اليهودي وتنبأ بسقوط ( أورشليم) مثلما سقطت ( سامرة) عاصمة مملكة إسرائيل ، وأن الغضب الإلهي سوف يحل بالإسرائيليين ، لكن اليهود كادوا ان يقتلوه إلا أنه هرب منهم ، وبعد أيام قبضوا عليه ووضعوه في بئر مليئة بالوحل إلى ان خفف الملك (صدقيا) عنه هذا العذاب فربطوه بفناء القصر ، وعندما احتل البابليون مملكة ( يهوذا) عام 586ق. م احسن هؤلاء إليه وذهب مع الأسرى إلى بابل ، وأخذ بنشر تعاليم الدين بين يدي الأسرى وتنبا بمجيء المسيح المنتظر ، ولهذا النبي سفر اسمه سفر ( أرميا) وفيه تنبؤات ومواعظ ، وأدخل في هذا السفر تحريفات من قبل الكهنة بعده ، هذا وعرف هذا النبي بالسلام وعدم استعمال العنف ضد الخصوم وكان يهدف من وراء ذلك المحافظة على اتباعه ، وبشر بني إسرائيل بالعودة إلى أرض الميعاد ( الأرض المقدسة ) من جديد ( 76)
جاء النبي ( أشعيا الثاني ) إلى بني إسرائيل وبشر هو بالعودة إلى الأرض المقدسة وحاول ان يرفع الآلام النفسية والمعنويات عن نفوس الإسرائيليين ، ويلوم على المترفين والمقصرين منهم ، وذكرهم ان الرب لا دخل له بتردي اوضاعهم وإنما يتحمل الإنسان وزر عمله ، وانتقد بعض الكهنة الذين حرفوا الأسفار و ( التوراة ) ( 77)
لقد قامت حركة الأنبياء بأعمال جليلة منها منع عملية الاندماج في الدين الكنعاني الوثني أيام النبي ( عاموس وأشعيا الأول ) من خلال المحافظة على شريعة النبي ( موسى) وكذلك كتابة الأسفار المقدسة في السر البابلي بعد ظهور الكهنة وتحريفهم ( التوراة ) ، وأيضا المحافظة على اهوية لأمة من الضياع أثناء التنافس الدولي على بلاد الشام وتربية الأمة على الصمود أمام الأزمات ، وتكوين رؤية واضحة عن فلسفة التاريخ خاصة بزوال النعم عندما يعم الفساد والانحلال الخلقي ، والوقوف أمام التيار الفلسفي الأغريقي ومقاومة السلوقيين
ظهر علماء في بني إسرائيل خلفاً عن الأنبياء ، وذلك بعد ان تربت امة بني إسرائيل في الأسر في بابل ، واتبعت هذه الأمة اتباع الأنبياء وأوصيائهم ، ويسمون بالعلماء ، وكان دورهم واضحاً ضد تيارات الكفر والشرك وبالذات الأفكار التي ظهرت في بلاد اليونان ، حيث طرح بعض فلاسفتها فكرة فدرة العقل والفكر على فهم الحياة والإنسان وأنكروا دور المغيبات والتوحيد والنبوة ، ولو ان هناك بعض الإشارات من بعض الفلاسفة من اقر بالتوحيد ، قال المؤرخ ( برستيد) عن (سقراط) أنه يشعر مثل الأنبياء العبرانيين بصوت إلهي داخله ( الإلهام) يدعوه إلى العمل الشريف وهو نشر الفضيلة ( 78)
كان القرن الثاني قبل الميلاد وما بعده يسمى بعصر الحرية العقلية في بلاد اليونان وان العقل هو كل شيء في الحياة خاصة أيام الملك ( أنطيوخس أبيفانس السلجوقي ( 175-164ق.م ) الذي سيطر على بلاد الشام وفرض على
أهلها عقيدة الوثنية اليونانية ، فأحسن علماء بني إسرائيل بمسئولياتهم اتجاه التيار الوثني فقاوموه ، مما حدى ( أانطيوخس) بهدم هيكل ( سليمان النبي ) أي المعبد ، وقتل الكثير من اليهود ، وقاوم اليهود سلطته ، فظهرت مقاومة مسلحة بقيادة ( يهوذا المكابي ) ضد السلوقيين والتجأ إلى الجبال وأخذ يشن حرب العصابات ضدهم ، وتمكن ان ينتصر عليهم ويحصل على الحكم الذاتي في ( أورشليم) فظهرت الأسرة المكابية التي حكمت ما بين 167-63ق.م إلى أن سقطت دويلتهم على يد الرومان سنة 63ق.م( 79)
تاريخ التوراة :
التوراة كتاب سماوي إلا أن التحريف قد طاله على يد الكهنة من بني إسرائيل عندما وضعوا الأسفار المحرفة ، كلمة ( الكاهن ) تعني في اللغة : الإنسان الذي يتنبأ بالمغيبات ، وقد ارتبط الكهنة بدور العبادة على مر الزمان مما جعلهم يمارسون بعض ادوار الأنبياء وبالذات التنبؤ بالأمور الغيبية ، لذا اتهم الأنبياء بأنهم كهنة من قبل أقوامهم ، ولم يظهر الكهنة ودورهم أيام النبي ادريس ولكن وبعد كثرة ذرية آدم ، ظهر الكاهن وأخذ يساعد النبي في التوجيه والإرشاد وبعد ظهور الملكية وسيطرة الفجار وأصحاب الأهواء على زمام الأمور ، أخذ الكهنة يتقربون إليهم ويحرفون تعاليم السماء لإرضاء فئة المترفين مما يعني ان الكهنة اخذوا يحاربون الأنبياء
ظهر الكهنة في بني إسرائيل بعد تقسيم مملكة النبي ( سليمان ) وكان في كل مملكة كهنة ،و كان معظم الكهنة من نسل ( ليفي) احد أبناء النبي ( يعقوب) وكان دور الكهنة إضفاء الصفة الشرعية لحملة العرش وتقديم القرابين والإشراف على الطقوس الجنائزية ومشافاة المرضى والإعفاء عن الضرائب لأنهم حراس دور العبادة مما ساعدهم على جمع الثروات فزادت ممتلكاتهم ( سورة التوبة / 34) فانتقدهم الأنبياء وحاربوهم كما حاربوا المفسدين في الأرض ، وكان دور الكهنة واضحاً في تحريف ( التوراة ) ، والتوراة تعني الشريعة او التعاليم الدينية التي نزلت على النبي ( موسى) وتقسم التوراة إلى (39) سفراً ، وتسمى هذه الأسفار ( العهد القديم ) للتفرقة بينها وبين ما اعتمد النصارى على تسميته ب ( العهد الجديد ) الذ يتناول تعاليم السيد المسيح النبي ( عيسى) ، وكل من العهدين ( القديم والجديد) يسمى ب ( الكتاب المقدس) إلا أن الأسفار الخمسة الأولى يطلق عليها اسم ( التوراة ) وهي:
1- سفر التكوين او الخلق : وفيه ذكر خلق السموات والأرض وقصة الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم إلى النبي يوسف
2- سفر الخروج : يتناول تاريخ بني إسرائيل في مصر وكيف خرجوا منها وقصة التيه ووفاة النبي موسى وهارون
3- سفر التثنية: وهو عبارة عن تعاليم تدور حول الشئون التشريعية والاقتصادية والسياسية الخاصة ببني إسرائيل
4- سفر اللاويين : ويدور حول شئون العبادات والطقوس والعياد واللاويون من نسل ( لاوي ) احد أبناء النبي يعقوب ويعتبرون انفسهم سدنة الهيكل وحفظة الشريعة
5- سفر العدد: ويدور حول تقسيم بني إسرائيل وتعدد أسباطهم وجيوشهم وأموالهم وفيه بعض احكام العبادات والمعاملات
أما بقية الأسفار فهي تنسب إلى أشخاص او أحداث مثل : يشوع – القضاة- راعوث – صمئيل الأول – صموئيل الثاني – الملوك الأول – الملوك الثاني – اخبار الأيام الأول – أخبار الأيام الثاني – عزرا- نحميا- - أستير – أيوب – المزامير – الأمثال- الجامعة – نشيد الأناشيد – أشعيا – أرميا – مراثي أرميا- حزقيل- هوشع – يوئيل – عاموس – يونان ميخا – ناحوم – حيقون – صفتيا – حجى – ملاحي
كل هذه الأسفار معتمدة لدى الكنيسة البروتستانية والكاثولوكية ، إلا ان الكاثولوكية تضيف أسفاراً اخرى مثل : طوبيا – يهودية – الحكمة – يسوع بن سيراخ – باروح – المكابيين الأول – المكابيين الثاني ، لذا بعد إضافة هذه الأسفار الأخير يبلغ عدد الأسفار حوالى (46) سفراً ( 80)
دور الكهنة في تحريف التوراة كان واضحاً ، إذ اتفق معظم المؤرخين الغربيين على ان الكتاب المقدس ( التوراة والإنجيل) من وضع رجال الدين ( اليهود والنصارى ) وليس من وضع السماء ( الوحي ) لما يحويه هذاا لكتاب من تناقضات واخطاء تاريخية وتشويه شخصيات الأنبياء ، وإن سند التوراة لا يرجع إلى النبي موسى مباشرة إذ يذكر سفر التثنية موت موسى وهذا يدل على ان كتابة بعض اجزاء التوراة كانت بعد موسى ، واستدل بعض المؤرخين على ان سفر التثنية قد ألف في أواخر القرن السابع قبل الميلاد وان سفر التكوين وسفر الخروج قد ألفا حوالى القرن التاسع قبل الميلاد وسفر العدد قد ألف في القرن الثامن قبل الميلاد وهذه الأسفار الخمسة الأولى تسمى توراة موسى ، أما بقية الأسفار فقد دونت بعد ذلك بازمنة متلاحقة ثم دمجت هذه الأسفار كلها في القرن الثاني قبل الميلاد أي إلى عهد المكابيين الذين حكموا أورشليم 167-63ق.م
وأما أقدم نصوص التوراة فقد اكتشفت بالصدفة بقرب وادي قمران على الساحل الغربي من جهة الشمال من البحر الميت وتحتوي على سفر ( أشعيا ) ، و عثر في كهوف اخرى من نفس المنطقة على اجزاء من سفر اللاويين والمزامير والأيوب وكلها كتبت باللغة الآرامية ، وتعود إلى القرنين الأخرين قبل الميلاد ، وأقدم ترجمة للتوراة وتعرف بالترجمة السبعينية نسبة إلى (72) كانوا قد أشرفوا على ترجمة التوراة من العبرية إلى اليونانية تلبية بامر من ( بطليوموس فلادلفوس , 280-247ق.م ) الحاكم اليوناني في الاسكندرية في حدود 250ق.م وترجمت هذه التوراة إلى اللغة اللاتينية في القرن الأول بعد الميلاد وبالذات الأسفار الخمسة الأولى ، وأما التوراة المتداولة في الغرب فهي التوراة التي ترجمت من العبرية إلى اليونانية ، وأقدم ترجمة للتوراة من العبرية إلى اللغة العربية فترجع إلى عصر الرشيد العباسي ، وأن أحمد بن عبالله بن سلام قام بترجمتها كما أشار ابن النديم في ( الفهرست) وذكر المسعودي أن حنين بن اسحاق النسطوري المتوفى 260هـ قد اعتمد في ترجمة التوراة من الترجمة اليونانية ، وأما التوراة الأصلية فقد جاء اول ذكرها في منتصف القرن الحادي عشر قبل الميلادي عندما قام بنو إسرائيل بالهجوم على الفلسطينيين ، وأخذ الفلسطينيين تابوت العهد وهو يحوي على التوراة الأصلية التي ترجع إلى زمن الملك داود ووضعه بعد لك سليمان في الهيكل ، وأن عدم وجود التوراة الأصلية جعل الكهنة يكتبون الأسفار ويزعمون انها التوراة فظهرت التوراة المحرفة بين الناس وساعدتهم السلطات اليونانية والسلطات الرومانية في نشرها ، وأما التلمود فهو عبارة عن شروح كتبها الحاخامات اليهود وقد طبعت نسخته الأولى في البندقية عام 1522م ، والتلمود فيه أسرار خطيرة لسيطرة اليهود على العالم وأنه قد حذفت بعض فقراته السرية بعد ذلك ( 81)
أسباب تحريف التوراة :
1- إظهار الشعب افسرائيلي أنه شعب مقرب إلى الله عز وجل ، وذلك بعد الأحداث السياسية التي ألمت بهم نتيجة عصيانهم وانحرافهم ، فحرف الكهنة التوراة وتعاليم الأنبياء وان تعالى اختارهم لقيادة العالم وغفر لهم وضمن لهم الجنة
2- إحياء أرض الميعاد : امر تعالى بني إسرائيل بتطهير الأرض المقدسة من الشرك والوثنية لأنها أرض مهبط الوحي ، فاستغل الأحبار هذه الأخبار بالقول ان الله عز وجل اعطى لإبراهيم ونسله من النيل إلى الفرات
3- إضفاء الصفة الشرعية للكهنة : كان دور علماء بني إسرائيل بعد الأنبياء هو المحافظة على شريعة موسى فظهرت فئة من العلماء وأخذت تفسر الكتاب المقدس حتى توهم انها ورثت كل شيء عن الأنبياء ، بل وأدخلت صفات غير لائقة للأنبياء كي يستروا على شخصيتهم المريضة والمنحرفة وحتى لا ينتقدهم احد ونتيجة محاربة الأنبياء لهم جعلهم يشوهون سمعة هؤلاء الأنبياء حتى يكرههم الناس وبالذات أيام انقسام المملكتين لليهود
4- مرت على اليهود فترات حرجة وصعبة كان لها أثر على الناحية الدينية والاجتماعية ونتيجة لانحرافهم وقتلهم الأنبياء حرف الكهنة التوراة ليبرروا موقفهم اتجاه الأنبياء
مميزات عصر موسى:
- شهد هذا العصر تربية أمة أراد لها تعالى قيادة الأمم الأخرى خاصة في منطقة الشرق الأوسط إلا أن اليهود تقاعسوا عن حمل المسئولية على الرغم من وجود فئة واصلت الدعوة الإلهية لهداية الناس ( الأعراف / 159)
- ظهور انبياء كثيرين من بني إسرائيل وهذا دليل على انحراف اليهود واصرارهم على العناد والباطل وانهم بحاجة إلى الوعظ والتوعية
- ظهور دولة داود وسليمان وهي دولة لم تبقى بعد موت سليماان فانقسمت إلى مملكتين
- ظهور التحريف في التوراة وتداول التوراة المحرفة بين بني إسرائيل
- سبي بني إسرائيل وقبل السبي كانوا عبيد ومضطهدين في مصر ، ونقل سرجون الأشوري الكثير من اليهود أسرى إلى دولته وأسر أيضا نبوخذ نصر آلافاً منهم بعد سقوط أورشليم بيد البابليين
- ملازمة الشرك في عقيدة اكثرية أفراد بني إسرائيل على الرغم من وجود الأنبياء فيهم وجهودهم في إصلاحهم

عصر النبي عيسى
1-500الميلادي

شخصية عيسى :
يعتبر عيسى من أنبياء اولي العزم وهم إلى جانب عيسى ( نوح وإبراهيم وموسى وسيدنا محمد (ص) ، بعث الله عز وجل عيسى إلى بني إسرائيل ومكث فيهم ثلاث سنوات إلى ان رفعه الله سبحانه إلى السماء بعد محاولة قتله ولم يتجاوز عمره عن (33) سنة وترك شريعة كاملة لعصره وذلك بعد انحراف التوراة التي تحوي شريعة موسى على يد الكهنة والأحبار
عاش المسيح فترة محدودة في بني إسرائيل لكنه كان مباركاً وتحل البركة والخير في أماكن تنقلاته وتجرى الماعز على يديه بإذن ربه ، عاش في فترة اضطراب فكري وديني ولم يستطع عصره فهمه فقد رفعه بعض الناس إلى مصاف الآلهة واعتبره بعض آخر انه ابن إله ن وكانت الأفكار الوثنية التي ظهرت في اليونان والرومان سائدة في عصره ، وقد تأثر اليهود بهذه الأفكار خاصة بالأساطير التي تنص على حب وزواج الآلهة اليونانية والرومانية ، لذا تأثر النصارى أيضا بهذه الأفكار واعتقدوا ان عيسى ابن الله عز وجل
يعتقد المسلمون بعودة عيسى وصلاته خلف مهدي هذه الأمة المرحومة وجاء لتصحيح مسار النصرانية والإقرار بالإسلام كدين سماوي ، بينما يعتقد النصارى بعودة عيسى لإنقاذ المسيحيين من الانحراف والقضاء على شرار اليهود ، بينما يعتقد اليهود ان المسيح يأتي لقيادة اليهود وبسط نفوذهم على الأرض الموعودة في التوراة ، وانه ليس هو عيسى ابن مريم
تكمن شخصية وعظمة عيسى انه ساد عصره وعصر ما بعده ، ومنذ ان ولد وهو يلاقي التهم من اليهود ، وعلى الرغم من ان القرآن قد برأ ساحته وساحة أمه وأنه بعث نبياً وهو في المهد ( مريم/30) ومن عظمته يسجل التاريخ ان وجوده خير وبركة لعصره وما بعده من العصور وقد سجل أيضا تسامحه وتواضعه على الرغم من انه واجه من نعنت اليهود كذلك من عظمته انه ولد من غير أب وهذا ما اكد عليه القرآن أيضا
تاريخ الرهبنة :
يربط معظم المؤرخين بين الرهبنة والمسيحية بسبب تعاليم السيد المسيح التي تدعو إلى الزهد والتقشف في الحياة ، على الرغم من ان كافة الأديان السموية تحث على السمو الخلقي ومجاهدة النفس وترويضها من اجل كسب الآخرة ن ويعتقد المؤرخون الغربيون ان من أثر الرهبنة انتشار المسيحية في ربوع الأرض وبالذات في العالم الشرقي وبالخصوص في مصر التي خرج منها نظام الرهبنة
نظام الرهبنة له جوانب سلبية في حياة الأوربيين العامة ، وبل ويعتبر هذا النظام سبباً من أسباب سقوط الامبراطورية الرومانية كما يقول المؤرخ ( جبتون) في كتابه ( اضمحلال الامبراطورية الرومانية وسقوطها ) ( 82)
هذه نتيجة طبيعية لرأي هؤلاء المؤرخين الذين عاصروا عصري النهضة الأوربية والتنوير في أوربا وهم يكرهون الكنيسة ورجالاتها ، إلا ان المنصفين منهم تحدثوا عن دور الرهبنة في حضارة العصور الوسطى الأوربية وأثرها في حفظ التراث الأوربي القديم وبالذات الحفاظ على المخطوطات القديمة من الضياع والاندراس في الأديرة والتي حافظت على المؤلفات اللاتينية بعد انحسار اللغة اللاتينية رويداً رويداً من الحياة الاجتماعية والعلمية في أوربا أبان عصر النهضة ( 83)
معنى الرهبنة :
الرهبنة عبارة عن طريقة خاصة للتقرب إلى الله تعالى والبعد عن الشهوات ، وقد يستدعي الأمر غالباً البعد عن عالم الناس المليء بالسيئات لوقاية النفس وتطهيرها ، لكن الابتعاد كلياً عن الناس قد يسيء الفهم بالدين ، ولا يجعل الناس يتعرفون على الدين اكثر ، ولكن مع ذلك هناك حث مؤكد على التبتل لكن دون افراط او تفريط ( سورة الحديد/ 27) ، لذا الرهبنة او بالأحرى الاعتزال أسلوب اتبعه الأنبياء كافة حسب الظروف التي مروا بها ، ويعتبر هذا الاعتزال ايجابياً إذا لم تسمح الظروف لنشر الدين فينتقل النبي إلى مكان آخر، وهو من جهة يحفظ نفسه وعقيدته من كيد الأعداء ، والتاريخ يشهد كثيراً من العباد فروا بدينهم وبالأخص في زمان انبياء بني إسرائيل ، حيث اعتزل بعضهم الحياة العامة وتفرغوا للعبادة وبعضهم كان يصوم صوم الصمت احتجاجاً على الفساد وتلوث الجو العام بالذنوب .
قد تكون العزلة إيجابية بمعنى ان يتأمل العابد ملكوت الله سبحانه فيذهب إلى الصحراء ويعيش عيشة بسيطة وقد يعتمد في أكله على الأعشاب البرية والهدف هو مجاهدة النفس وتحمل الصعاب واعتزال الحياة المترفة وأثرها على العباد
الرهبنة في المسيحية تعتبر اعتزالاً سلبياً على الرغم من ان الظروف التي تهيأت للنصارى أيام الامبراطور قسطنطين الذي اعتنق النصرانية ، كي يساهم رجالات النصرانية في نشر دين المسيح ، لكنه لم يحدث ذلك بل انحرفت النصرانية على يد هذا الامبراطور وأصبح الدين المحرف ديانة رسمية لهذه الامبراطورية ، إلى جانب ان سيطرة البابوية على الحياة السياسية في أوربا وما ترتب على إثر ذلك من معارضة بعض الرهبان للسياسة البابوية لتدخلها في شئون الناس وانحرافها عن خط السيد المسيح
خرج نظام الرهبنة في الصحراء المصرية على يد ( أنطوني ) ، ويعتبر هذا الراهب من أصحاب أثناسيوس أب الأرثوذكسية ، وعاش عشرين سنة في الصحراء ، وانضم إليه جمع من تلامذته وزار الاسكندرية أثناء الاضطهاد الديني وشدد من عزيمة النصارى كي يصمدوا على البلاء ، وانتشرت حركة الرهبنة خارج الصحراء المصرية وبالذات في سوريا وفلسطين وعمت بقايا الأرض ( 84)
تاريخ الكنيسة :
جاء في إنجيل ( متى ) أن السيد المسيح قال لبطرس احد حوارييه:\\\" أنا أقول لك أيضا أنت بطرس وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها واعطيك مفاتيح ملكوت السموات ، فكل ما تربطه على الأرض يكون في السموات وكل ما تحمله على الأرض يكون محمولاً في السموات\\\" ( إنجيل متى، الاصحاح السادس عشر ، ص18) لم يعرف النصارى الأوائل التنظيم الكنسي المعقد الذي عرفته أوربا في العصور الوسطى ، ثم ان البابوية استغلت هذه المقولة المحرفة في إضفاء الشرعية لها وبسط نفوذها في حياة الناس العامة ، كيف تقول البابوية ان جذور الكنيسة الغربية تمتد إلى أيام (بطرس) ؟ وكيف فكر بطرس وجماعته بالتنظيم الكنسي وهم في أوربا وفي عقر دار الامبراطورية الرومانية ، ألا يعتبر ذلك التنظيم منافساً للمؤسسة السياسية في روما؟
يمكن القول أن تاريخ الكنيسة يبدأ قبل سنة 300 ميلادية بقليل أثناء الاضطهاد المسيحي سنة 284م خاصة في عصر الملك ( ديوقليتيانس ) الذي أصدر مرسوماً بهدم الكنائس وإحراق الكتب المتعلقة بالنصارى في روما ، وقد مرت أربعة عهود لاضطهاد النصارى أيام ( نيرون ) سنة 64م وإلى عهد ( ديوقليتيانس) ( 85) ، في عهد ( قسطنطين) خف الضغط على النصارى قبل أن يعتنق ( قسطنطين) المسيحية ، لكن هل هناك ذكر للتنظيم الكنسي ؟ إذا هناك ذكر فأن ذلك يرجع إلى أيام الرهبنة خاصة وقد عرفت النصرانية نوعاً بسيطاً من التنظيم الديني في الأماكن النائية عن سلطة الرومان ، ثم أخذ هذا التنظيم ينتشر مع انتشار الأفكار التي طرحها أنصار الرهبنة أو الرهبان ، خاصة في المدن بعد التقرب إلى السلطة فظهرت كنيسة الاسكندرية التي نادت بألوهية السيد المسيح ، لكن خالف احد أنصار هذه الكنيسة هذا الرأي وهو ( أريوس) المصري الذي نادى بان السيد المسيح ليس ابناً لله ، وظهرت تنظيمات مسيحية بعد ذلك في كل من مقدونية وفلسطين والقسطنطينية وتربطها روابط تعاليم السيد المسيح ( 86)
بدأت الكنيسة المسيحية أولاً في الشرق ولم تكن بالشكل المنظم كما كان عليه أيام العصور الوسطى لكنها بدأت في الانقسام مع بدايات التحريف في النصرانية ، أول انشقاق كان بعد مجمع ( خلقدونية ) سنة 451م حيث انفصلت كنيسة الاسكندرية عن الكنيسة الأم في الغرب ( روما) ونادت الأولى ان للمسيح طبيعة واحدة ، اجتمع فيه اللاهوت بالناسوت ، أدى بعد ذلك إلى انتفاضة المصريين ضد الرومان وثاني انشقاق ويسمى الانفصال الغربي حيث ظهر أكثر من باب على المسرح الديني في أوربا ، كل واحد ينادي برأيه بشان طبيعة المسيح ، ثالث انفصال هو انفصال الكنيسة الشرقية ( القسطنطينية ) او اليونانية عن الكنيسة الغربية او الكاثوليكية التي يتزعمها البابا في روما ، وفي القرن السادس عشر الميلادي دعا ( لوثر 1483-1546م ) سنة 1517م بالإصلاح الديني بعد انتقد الكنيسة انها الوحيدة في تفسير الكتاب المقدس وليس لأحد الحق في تفسيره ونادى ( لوثر) ببطلان حق الغفران وبعدم عصمة البابا فظهرت الكنيسة البروتستانتية ) (87)
ظهر التنظيم الكنسي في البداية في القرن الثاني والثالث أيام الاضطهاد المسيحي لكن لم يأخذ هذا التنظيم شكله الكامل وإنما كان اجتماع المسيحيين في مجتمعات صغيرة لا تتعدى شكل خلايا ومعظمهم كانوا فقراء وكانت الامبراطورية الرومانية تنظر إليهم نظرة ريبة ، لكن مع انتشار تعاليم السيد المسيح بسبب الظلم بحق الشعوب الرازحة تحت نير الرومان كذلك بسبب الحروب التي خاضتها روما ضد اعدائها إلى جانب سهولة الطرق وربط أجزاء الامبراطورية بشبكة منظمة مما سهل حرية تنقل الدعاة المسيحيين في الأمصار ، وفي بداية القرن الرابع الميلادي اعترفت الامبراطورية الرومانية بالمسيحية كديانة رسمية وأخذ التنظيم الكنسي تتضح معالمه أكثر وظهرت سلطة دينية وهي سلطة البابا الذي حل محل شخصية الامبراطور بعد سقوط روما عام 476م ، وانتقلت قداسة الامبراطور إلى البابا فقدست شخصيته وعصمته وانه يمثل السيد المسيح في القداسة والعصمة ، قبل سقوط روما ظهرت قوة تنافس البابا وهي قوة البرابرة الذين ساهموا في سقوط روما وكانوا على مذهب (أريوس) الذي دعا إلى بشرية عيسى المسيح ، فظهرت دول متبربرة مثل الوندال في شمال أفريقيا والقوط الغربيون في أسباانيا والفرنجة في شمال فرنسا وغربها والقوط الشرقيين في إيطاليا ولكن استطاع البابا التأثير على الجرمان ( البرابرة ) فتحولوا إلى الكنيسة الكاثوليكية ، لأن البرابرة لم يكونوا أهل فكر وفلسفة ليحافظا على مبدأهم او ان يجادلوا الكنيسة وقد يكون العامل السياسي وراء انحيازهم نحو الكنيسة ( 88)
بدأت البابوية سلطتها في روما وذلك بعد انتقال الامبراطور قسطنطين إلى بيزنطة فترك فراغاً سده البابا ، ثم بسط البابا نفوذه على كل إيطاليا ، وسيطر البابا على الغرب الأوربي بعد الفراغ السياسي الذي عقب سقوط روما ، ولا ننسى الحروب الصليبية التي قادها الملوك والأمراء الأوربيون ودورها في تقوية نفوذ الباابا وأيضا الأديرة التي انتشرت في بقاع الأرض ساعدتا البابا في تقوية دوره الديني والسياسي وأخيراً قيام الدولة الكارولنجية وتقديم ولائها للبابا وتتويج البابا شارلمان أشهر ملوك هذه الدولة على يد البابا ( 89)
عوامل التحريف في المسيحية:
مر التحريف في الديانة النصرانية بعدة عوامل وأسباب لكن نأخذ أشهرها تأثيراً على هذه الديانة :
أولاً الأناجيل الأربعة :
أشهر الأناجيل هي : متى ومرقس ولوقا ويوحنا ، يعترف بعض المسيحيين ان هذه الأناجيل دونت في فترة الاضطهاد الديني مما يقوي الدليل على ان سندها لا يتصل بالسيد المسيح خاصة وهي تتحدث عن المسيح وعن ولادته ومعجزاته وخطبه ومواعظه ثم عن صلبه وقيامه من قبره ورفعه إلى السماء ، اشتهرت هذه الأناجيل عندما اعترفت بها الكنيسة بينما بعض الناجيل الأخرى اختفت لعدم تأييد الكنيسة لها ، وأول من أشار إلى وجود هذه الأناجيل ( أرينيوس ) سنة 209م ثم جاء من بعده ( كليمنس اسكنددريانوس في سنة 216م وقال ان هذه الأناجيل واجبة التسليم (90)
هناك إنجيل يدعو إلى التوحيد وهو إنجيل ( برنابا ) ولا يعترف بألوهية السيد المسيح ولا يقول بعقيدة التثليث ويبشر بنينا محمد (ص) ويعترف ان الذبيح من أبناء إبراهيم هو إسماعيل وليس إسحاق وهذه الحقائق تطابق مع ما جاء به القرىن لهذا الكنيسة لا تعترف بهذا الإنجيل ( 91)
الأناجيل الأربعة قامت بتحريف المسيحية لأنها تدعو إلى إلوهية المسيح أنه ابن الله واختلقت قضية الفداء أي فداء المسيح نفسه من أجل غفران ذنوب العباد
أ‌- إنجيل متى :
ينسب إلى ( متى ) وهو احد حواري السيد المسيح وكان جابيا يجمع الضرائب للدولة الرومانية فاتبع المسيح وأصبح ملازماً له ، اختلف المؤرخون في كتابة إنجيله فمنهم من قال انه كتبه في عصر ( قلديوس ) أي حوالى 39 ميلادية ومنهم من قال انه كتبه في سنة 41م ، وأنه كتبه باللغة العبرية ثم ترجم إلى اليونانية ، واتفق المؤرخون على ضياع النسخة العبرية هذه ، وإذا كان ( متى ) من حواري المسيح فليس من المعقول ان يكتب الكتاب المقدس وإذا كتب شيئاً فمجرد سيرة عن حياة المسيح خاصة وانه ذهب إلى الحبشة مبشراً بالدين الجديد وقتل ( متى ) في الحبشة ومن القول ان الذي كتب هذا الإنجيل نسبه إلى ( متى ) لإضفاء الشرعية إلى الإنجيل ونقلها من العبرية إلى اليونانية وقد يكون كاتب الإنجيل احد الكهنة اليهود فادعى أن ( متى ) كتبه إلى المؤمنين اليهود ليستدل بذلك على ان اليهود لم يقفوا ضد السيد المسيح ولم يتآمروا عليه واحتمال ان كاتبه احد لافلاسفة اليونانيين الذين أحسوا بخطر الدين المسيحي فدرس المسيحيية عن طريق السماع وعن طريق ما كتبه الحواريون من خواطر فألف هذا الإنجيل ونسبه إلى ( متى ) ( 92)
ب‌- إنجيل مرقس :
لم يكن مرقس من ااحواريين لكنه تبع السيد المسيح وكان عيسى او اليسوع يتردد على بيته عندما يجتمع بحوارييه وكان أتباع المسيح يواصلون اجتماعاتهم في منزله بعد رفع عيسى إلى السماء ، وأنه نشر المسيحية في إنطاكية مع بولس وبرنابا الذي يعتبر خاله وأنه عاد إلى أورشليم ثم خرج مع خاله إلى قبرص ومنها إلى مصر ، واتخذها قاعدة لنشر المسيحية وكان ينطلق منها إلى شمال أفريقيا وروما ، وألقي القبض عليه بعد تزايد نشاطه من قبل الرومان وقتل سنة 62م ، وعلى قول أنه كتب الإنجيل بطلب من أهل رومية بين 56 و60م وأنه أنكر ألوهية المسيح (93)
ج- إنجيل لوقا :
يعتبر لوقا من تلامذة بولس وقد ولد بانطاكية ودرس الطب ورافق بولس في أسفاره ويحتمل انه كتب الإنجيل بين سنوات 58-64م وكتبه باللغة اليونانية (94)
د- إنجيل يوحنا :
اختلف المؤرخون في شخصية يوحنا ، بعضهم يعتقد أنه ابن صياد وهو احد حواري السيد المسيح وبعض آخر قال انه يوحنا آخر وانه احد تلاميذ مدرسة الاسكندرية وجاء في دائرة المعارف البريطانية ان إنجيل يوحنا مزيف وان مؤلفه رجل فلسفي لا يمت بصلة بالحواري يوحنا والهدف من كتابته الإنجيل هو إثبات ألوهية المسيح ، واختلف في تدوينه فأنه ألفه في سنة 68 أو 69 أو 89 أو 98 من الميلاد ( 95)
ثانياً : اعتناق الامبراطور قسطنطين المسيحية :
نظرية العناية الإلهية أن الملوكية تنزل من السماء وان تعالى ينصب الملك على الرعية ، وأن الناس تتبع ملوكها في العقيدة لذا من أسباب انتشار أي عقيدية دعم الملك لها ، لذا عندما اعتنق قسطنطين المسيحية وذلك في حدود 302م ، رأى الاختلاف في الفرق المسيحية فأمر بعقد اجتماع او ما يسمى بمجمع وحضره حوالى 2030أسقفاً من المسيحيين ومال قسطنطين إلى رأي الأقلية وعددهم 318 أسقفاً الذين يؤيدون ألوهية المسيح ، وقد زين هؤلاء للقسطنطين فكرة ألوهية عيسى ( 96)
لماذا اعتنق قسطنطين المسيحية ؟
أقنع أحد مستشاري قسطنطين بدين المسيحية للقسطنطين وان هذا يرفع من معنويات الجنود أثناء صرعهم مع الفرس بعد ان فقدوا ثقتهم بألهة الرومان ( 97)
ثالثاً : المجامع الكنسية :
المجمع عبارة عن المشاورة التي ينعقد لها جمع من علماءء المسيحية للنظر في المسائل المتعلقة بالعقيدة أو الشريعة وهناك نوعان رئيسان من المجامع : المجامع العامة الشاملة لكل الكنائس والطوائف والمذاهب والمجامع الخاصة وتنقسم إلى قسمين : المجامع الملية الخاصة بملة وحادة والمجامع الأقلية التي تجمع مذاهب ومللاً ، هناك اكثر من مجمع انعقد وحتى عان 1869م انعقد (20) مجمعاً وأشهرها :
- مجمع نيقية الأول المنعقد في 325م: حيث اجتمع حوالى 2048 رجل دين بامر من قسطنطين للتباحث في قضية المسيح وطبيعته وكما مر فأن قسطنطين مال إلى رأي بولس الحواري القائل بألوهية المسيح وأيد هذا الرأي 318أسقفاً
- المجمع القسطنطيني الأول سنة 381م: لم يبحث المجمع علاقة الألوهية بالروح القدس وظهر فريق قال أن الروح القدس ليس بإله ويرأسه أريوس وفريق رفض هذا الرأي ويرأسه بطريك الاسكندرية الذي دعا إلى عقد مجمع وكان اهم قراراته إثبات ان الورح القدس هي روح الله وهي يحاته فظهرت عقيدة التثليث ،
- مجمع أفسس الأول سنة 431 م : ظهرت اختلافات بعد ظهور عقيدة التثليث ، فاجتمع حوالى 200 أسقفاً وأقروا أيضا بطيعتين للمسيح واحدة لاهوتية وأخرى ناسوتية بشرية
- مجمع خلقيدونية سنة 451م: عقد بطريك الاسكندرية مجمعاً ونادى ان للمسيح طبيعة واحدة واجتمع فيها اللاهوت والناسوت وعارضت الكنيسة الكاثوليكية هذا الرأي وعارضه بطريك القسطنطينية معارضة شديدة ودعت ملكة الرومان زوجها إلى عقد مجمع في مدينة خلقيدونية سنة 451م وأهم قراراته ان المسيح له طبيعتان منفصلتان لا طبيعة واحدة
- هناك مجامع كنسية عقدت بعد ذلك من المجمع الخامس عام 553م إلى المجع العشرين المنعقد في روما سنة 1869م وتناولت أمور مثل : تناسخ الأرواخ وأن المسيح ليس حقيقة بل خيال وتقديس صور المسيح والقديسين إلا أن الأهم في الأمر ان بعد المجع الرابع بدات الكنائس في الانفصال والاستقلال عن بعضها بعض فقد انفصلت الكنيسة المصرية بالاسكندرية ، ومن المجمعين الشرقي اليوناني والغربي اللاتيني انقسمت الكنيسة اليونانية على كنيسة روما وصارتا كنيستين إحداهما تسمى الكنيسة الغربية البطرسية والأخرى الكنيسة الشرقية اليونانية الأرثوذكسية ، وأخيراً انفصال الكنيسة البروتستانتية في القرن السادس عشر الميلادي عن الكنيسة الكاثوليكية ( 98)
رابعاً : أثر الفلسفة اليونانية والرومانية على المسيحية :
نادى الفلاسفة المتأثرين بالمسيحية إلى التوفيق بين الفلسفة اليونانية والرومانية والديانة النصرانية ، إلى جانب كانت الكنيسة بحاجة إلى الفلسفة ضد خصومها فاعتمدت المسيحية على فلسفة أفلاطون في أمور تتعلق بالعقيدة ( 99) وأول من نادى إلى التوفيق بين الفلسفة الدين هو فيلو ( 20ق.م – 4م) وهو من الفلاسفة اللاهوتيين اليهود وقال أن للإنسان مادة روحاً وان الروح تتوق إلى الله تعالى ولما كان الله لا يحده عقل فلا بد من وسيط يربط بين المحدود واللامتناهي وهذا الوسيط هو الكلمة التي وصفها بانها أول ابن مولود لله وهذا الابن هو الإله الثاني ، في فترة الاضطهاد الديني ظهرت فئة من الفلاسفة تعاطفت مع المسيحيين وأيدت فكرتهم المتعلقة بالإخاء والمحبة وغيرها من القضضايا التي لم يتعودها الروماني وخاصة الفيلسوف لهذا ظهرت الفلسفة مزيجة بأفكار الدين والأفكار الوثنية وتسمى الفلسفة المتدينة ( 100)
من أبرز الفلاسفة الذين تركوا أثراً في المسيحية أفلاطين المتوفى 270م ، الذي روج عقيدة الثليث قبل المجامع الكنسية عندما طرح أفكاره بالقول: العالم تحركه ثلاثة أشياء : المنشء الأزلي الأول والعقل المنبثق منه والروح التي هي مصدر تتشعب منها الأرواح جميعاً ، هذا وتاثر بولس بالفلسفة الرواقية التي انتشرت في عصره وتقول ان الطبيعة البشرية تنقسم إلى أرضي مادي وسماوي روحي ، وظهرن الفلسفة الأفلاطونية المحدثة وهي خليطة من نظريات أفلاطون وأرسطو وبعض آراء دينية شرقية ومن أبرزها أن الله ( عز وجل) والطبيعة شيء واحد وهو ما يعرف بمذهب وحدة الوجود أي أن الكون المادي فيض من الله سبحانه تنبثق منه نفوس الناس ( 101)
مميزات عصر عيسى ابن مريم :
- قصر مدة نبوة عيسى في قومه و لكنه ترك انصاراً وحواريين وقد أرسلهم إلى الأمصار والمناطق للتبشير بدين عيسى خارج فلسطين مثل أنطاكية والحبشة وقبرص ومصر ، واتخذ مرقص وهو احد انصار عيسى مصر قاعدة لنشر المسيحية في شمال أفريقيا ومنه إلى روما ، وقد عانى النصارى الاضطهاد على يد الرومان وهذا دليل كاف على نشاط الحواريين الملحوظ في المستعمرات الرومانية وإحساس الرومان بخطر هذا الدين الجديد
- واجهت المسيحية تيارات فلسفية من اليونان والرومان وتأثرت بهذه الفلسفة ولكنها صححت بعض الأفكار والمفاهيم مثل معنى الخلود ومعنى الحياة والموت ونبذ عبادة الامبراطور
- شهد هذا العصر الاضطهاد الديني للمسيحيين وقد بدأ في عهد ( نيرون ) في عام 64م وفي عام 67م قتل بولس ( الرسول ) ، وفي عام 112م صدر الامبراطور ( ترجان ) قانوناً يجبر المسيحيين بالولاء للامبراطور وعبادة آلهة الرومان ، وفي عام 303م أصدر ( ديوقليتيانس ) مرسوماً بتهديم الكنائس وإحراق الكتب المسيحية
- ظهرت شخصية دينية قوية بعد النبي عيسى في روما وهي شخصية البابا ، التي لعبت دوراً هاماً في حياة المسيحيين ، خاصة بعد سقوط الامبراطورية الرومانية عام 476م

عصر محمد ( ص)
(بعد سنة 500م وإلى آخر الزمان )
شخصية رسول الله (ص) :
كان رسول الله (ص) خاتم الأنبياء والمرسلين وامتاز بمميزات اختلفت عن مميزات سائر النبياء والرسل ، ماذا تعني كلمة \\\" ختم\\\" تعني الكلمة في اللغة فرغ من العمل أو انه اتمه له وجعل له عاقبة حسنة ( 102) فالنبي (ص) خاتك الأنبياء أي آخرهم في ختم الدعوة الإلهية وانه اكثرهم تحملاً لمسئولية الدعوة ، وختم الدعوة إلى الله تعالى تحملها النبي (ص) وكأنه وحده تحمل كل الدعوة إلى الله سبحانه وأنه أفضلهم لذا من ألقاب نبينا محمد (ص) سيد الرسل والأنبياء ، وروي عنه (ص) أنه قال \\\" ما أذي نبي مثل ما أوذيت\\\" ، وأنه يرث كل الرسالات الإلهية السابقة ويحاول تصحيح مسارها بعد أن دخل التحريف فيها ، وعلى جميع اتباع الرسالات السابقة التسليم له واتباع دعوته ، وروي عنه في لما ذهب إلى الطائف لدعوة أهلها فأنه لقي منهم الأذى فقال \\\" رب اغفر لقومي فأنهم لا يعلمون ثم انه اتم كل الأخلاق \\\" بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ، وشهد التاريخ أنه لما فتح مكة عفى عن اهلها الذين حاربوه وقال لهم : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، وكان وجوده رحمة للناس \\\" إنا أرسلناك رحمة للعالمين \\\"( الأنبياء / 107) ولقد شهدت البشرية قبله العقاب الجماعي الإلهي بسبب الكفر والعناد لكن في عصر النبي (ص) لم ينزل العقاب الجماعي والاستئصالي
استطاع النبي (ص) ان يقضي على كثير من العادات الجاهلية السائدة في عصره كانت العصبية القبلية سائدة بين القبائل لكن ما أن جاء الإسلام إلا وأصبح هذا الدين مقياس التناصر والأخوة الإيمانية \\\" إنام المؤمنون أخوة \\\" كان الفرد العربي يضحي في سبيل قبيلته فأصبح يضحي بنفسه وبكل شيء من أجل نصرة دين الله عز وجل حتى انه حارب أفراد قبيلته وأقرباءه ، وضع الإسلام قاعدة \\\" الإخاء الإيماني \\\" بدلاً من الإنتماء القبلي\\\" أو العصبية ، وهذا الصحابي \\\" ربعي بن عامر \\\" يقول في مجلس \\\" يزدجر\\\" ملك فارس :\\\" الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ومن ضيق الدنيا إلى سعة الاخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ( 103)
تحويل مركز النبوة:
يقصد بمركز النبوة المكان الذي يعتني به رب العالمين لنشر خط الإسلام والهداية ، قبل الإسلام كانت بلاد الشام مركز النبوة منذ عهد \\\" آدم\\\" مروراً ببقية الأنبياء والرسل ، وإلى عهدي \\\" موسى \\\" و \\\" عيسى\\\" ، وتأتي أهمية بلاد الشام أنها همزة الوصل بين الشرق والغرب ، والإنسان منذ القدم وهو ينتقل بين آسيا وأفريقيا عن طريق معبر ( سيناء) التاريخي فتأتي الهجرات البشرية من أقاصي الأرض وتحط رحالها في بلاد الشام ، إما بسبب عوامل الطبيعة ( المجاعة والقحط والجفاف ) أو بسبب البشر ( الصراعات الإقليمية والحروب ) أو بسبب تدخل إلهي ( انتقال نبي من مكان إلى آخر )
الأهمية الثانية لبلاد الشام تكمن في الصراع الدولي والتنافس على هذه المنطقة ومن يسيطر عليها فأنه يتحكم في منافذ بلاد الشام ومصر وبلاد الرافدين وبلاد الأناضول ( تركيا الحالية ) لقد ظهر الصراع واضحاً في عصر الإمبراطوريات الأولى منذ أيام الأكديين الذين بسطوا نفوذهم على بلاد الشام وحتى ظهور الإمبراطوريات الكبرى في مصر وبلاد الأناضول والصراع بينهما على السيطرة على بلاد الشام
الأهمية الثالثة ترجع إلى اعتبار هذه المنطقة أولى مركز للنبوات الكبرى ، فمنذ \\\" آدم \\\" ازداد اهتمام ذريته في سكن هذه المنطقة ، صحيح لقد ظهرت فترات تاريخية لم تعد بلاد الشام مركزاً للنبوة خاصة في عهد \\\" نوح\\\" وذلك عندما سيطرة طبقة \\\" الملأ\\\" على بلاد الرافدين وأصبحت بلاد الشام خاضعة لدويلات المدن في بلاد الرافدين ، لكن انتقل مركز النبوة إلى بلاد الشام أيام \\\" إبراهيم \\\" وبدأ إبرلاهيم دعوته في محاربة الوثنية الشرك ، وتابع ذريته من صلب إسحاق نشر الهداية بالشام وما جاورها وهذا ما اكد عليه \\\" يعقوب\\\" بنيه قبيل وفاته في المحافظة على ملة \\\" إبراهيم \\\" وهم يعيشون في خضم الشرك ( البقرة/ 133)
منذ أيام \\\" إبراهيم \\\" ظهر مفهوم \\\" الأرض المقدسة \\\" أو \\\" الأرض المباركة \\\" كما حكى ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى :\\\" ونجينااه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين \\\" ( الأنبياء/ 71) بعد أن نجا الله تعالى \\\" إبراهيم \\\" وابتااعه من بطش \\\" نمرود\\\" وهاجروا من العراق إلى بلاد الشام \\\" لأنها أرض مباركة وأنها ستصبح مركز البنوة ومركز لنشر الهداية الإلهية ، لذا بين تعالى لبني إسرائيل أهمية أرض النبوات بالشام بعد ان نجاهم من فرعون وجنوده ( الأعراف/137) وبعد أن أسند إليهم تحمل مسئولية نشر رسالته وتطهير أرض النبوات من الشرك ( المائدة/21) وفي زمن \\\" سليمان\\\" أصبحت فلسطين مركز النبوة لنشر الهداية الإلهية ( الأنبياء/81) وفي عصر \\\" عيسى \\\" يلاحظ عدم ذكر القرآن بلاد الشام كمركز للنبوة وهذا يعني انتقال مركز النبوة خارج بلاد الشام
في بداية الدعوة الإسلامية جاء ذكر للأرض المباركة في فلسطين بسبب أن النبي ( ص) كان يتجه في صلاته نحو بيت المقدس خلال بضعة شهور وهو في المدينة ، لكن أين انتقل مركز النبوة ؟ انتقل إلى بلاد الحجاز وذلك بعد ظهور نبي جديد في مكة وغعادة الاهتمام بحرم الله تعالى منذ أيام \\\" آدم\\\" وان أصل مركز النبوات هو الكعبة ، أول بيت وضع للناس
( الأنعام/ 92) شهدت مكة هجرات متعاقبة للأنبياء وإلى ظهور النبي العربي (ص) وكان دعاء \\\" إبراهيم \\\" جاء تأكيداً لحفظ حرم الله تعالى من الأشرار وجعله \\\" آمناً\\\" للناس ، لذا جاور كثير من الأنبياء بعد \\\" إبراهيم\\\" البيت الآمن يطلبون الأمان والتفرغ للعبادة ومنهم من دفن بجوار البيت العتيق ، وكانت مكة في هذه الفترة التاريخية مكان تقديس للناس قبل أن تصبح فلسطين الأرض المقدسة ، لكن مشيئة رب العباد اقتضت ان تكون فلسطين الأرض المقدسة لوجود الأنبياء فيها
تعتبر مكة منطقة طاردة وليست مستقبلة وهو ما قاله إبراهيم :\\\" إني أسكنت من ذريتي بواد غير زرع عند بيتك المحرم \\\"( إبراهيم/37) وتكريماً لإبراهيم فقد جعل تعالى مقامه مقدساً لتذكير الأجيال اللاحقة بجهود هذا النبي والانتماء إليه
هناك مؤشرات لانتقال مركز النبوة إلى الجزيرة العربية منها وجود قبائل يهودية في يثرب ومعرفة اليهود بتحويل مركز النبوة وأن الجزيرة العربية سوف تشهد في المستقبل دولة مثل دولة داود وسليمان والدليل على ذلك هو ان اليهود كانوا يقولون للعرب المشركين سوف يظهر نبي نقاتلكم معه قتل عاد وإرم ( 104) والغريب في الأمر أن اليهود رفضوا الانصياع إلى دعوة النبي (ص) بسبب عنادهم وبسبب أن النبي (ص) لم يكن من بني إسرائيل
ومن المؤشرات الأخرى بشارات الأنبياء بمجيء نبي يظهر في الجزيرة العربية كما بشر بذلك إبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى ، كذلك الأوضاع السياسية كانت متدهورة قبيل عصر النبي فقد انهكت الحروب الفرس والرومان إلى جانب تبلد الفكر والفلسفة إلى درجة لم يعد يستوعب المفكرون أفكاراً جديدة إلا إذا اطروها بإطار فلسفة بينما مدن الجزيزرة وبالذات مكة والمدينة تنعمان بحرية الأمن والفكر والعبادة يقول تعالى:\\\" أولم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا \\\" ( القصص/57)
ومن المؤشرات ازدهار مدن الجزيرة ، فقد لعب القريشيون دوراً وسيطاً في نقل التجارة بين الشام واليمن بل واشتهروا بين القبائل العربية بمهارتهم التجارية ونشأت علاقات تجارية بين مكة ويثرب والطائف وأصبحوا مورد الثقة والقيادة خاصة وهم اهل الحرم وهم يخدمون ضيوف الرحمن أثناء موسم الحج ، وأحس أهل مكة بتحمل الأمانة والمسئولية الدينية وهم حرسة البيت العتيق ، وأنهم أفضل من اليهود والنصارى الذين تفرقوا شيعاً وأحزاباً ( فاطر /42) تطلع بعض الجاهليين نتيجة هذا الإحساس إلى الإصلاح الديني والاجتماعي ، ومنهم من نبذ عبادة الأصنام وبقي على الحنفية لأن غالبية الجاهليين قد حرفوا ملة إبراهيم باتخاذهم الأصنام انداداً من دون الله سبحانه
استفادت قريش من وضع مكة التجاري ووجود الأصنام حول الكعبة فأعطاها ذلك الهيبة والقدسية بين القبائل وأن مكة سوف تفقد هذه القدسية إن اتبعت دعوة النبي (ص) قال تعالى:\\\" وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا \\\" ( القصص/ 57) وتعتقد قريش أن تغيير الأوضاع في الجزيرة لصالح الدعوة الإسلامية يؤدي إلى هجوم خارجي من الأعداء الذين يريدون أن يسلبوا من قريش هذه المكانة والمنزلة بين القبائل ( 105)
وأخيراً نزول عيسى ابن مريم في آخر الزمان خلف المهدي المنتظر وهو من آل بيت النبي (ص) كما روى البخاري وغيره من أصحاب الصحاح والسنن ( ا106) دليل على انتقال مركز النبوة إلى الجزيرة العربية وإسناد قيادة العالم إلى المسلمين
ختم النبوة:
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو لماذا ختمت النبوة في عصر رسول الله (ص) ؟ في الحقيقة لا بد من القول أن هناك أموراً ليست في متناول العقل كي يحيط الإنسان بأبعادها وهي أمور غيبية وتدخل ضمن الحكمة والمصلحة الألهية ، إلى جانب ان علم الإنسان محدود \\\" وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً \\\" و قوله تعالى\\\" وقل رب زدني علماً ، وما يبلغه الإنسان من العلم وإن كان نبياً ورسولاً فهو يجهل أشياء أخرى ويكفي ان يجهل علم الغيب إلا أن يتفضل به تعالى إلى بعض عباده
البشرية في عصر نبي الإسلام (ص) وصلت إلى مرحلة النضج العقلي والنفسي بحيث لا تعدو في حاجة إلى نبي جديد بعد نبينا محمد (ص) وهذا النضج يجعل الإنسان يتحرك ولو داخلياً نحو المطلق الحق على سبيل الثمال كان الظلم مصاحباً مع الإنسان لأن الأنانية وحب الهوى وحب الرئاسة كلها عوامل تدفع الإنسان إلى الظلم ، هناك الكثير من المظلومين في التاريخ حاول الأنبياء إنقاذهم إلا أنها محاولات بعضها باء بالفشل لأن الإنسان لا يحس أنه مظلوم والناس قديماً يعبدون أربابهم من الإنس والجن والجماد وغير ذلك وهم في أقصى الحالات والظروف دون ان يقول أحدهم انه يريد التحرر من هذه الأرباب لأنها تؤلمني ولأنها تحطم إنسانيتي بل يعتبر هذه القيود وسائل لإدامة الحياة ولكي ترضى الأرباب لا بد من ان يضحي بكل شيء لذا كان تركيز الأنبياء على هذه النقطة أي إحساس الإنسان بالظلم الواقع عليه ، وفي عصر نبي افسلام (ص) بدأ الناس يتذمرون من الأوضاع المتردية في أوطانهم وما أن وصل إلى مسامعهم صوت الحق إلا وأجابوه وتحرروا شيئاً فشيئاً من القيود والأغلال ( الأعراف / 157)
وهناك قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فالإنسان بطبعه يحب الخير والصلاح وقد يدعو إليهما ويعلم ان الناس يحبون ذلك ويعلم انهم يكرهون المنكر وأشكاله فما الذي يجعل الإنسان يقبل على ذلك ؟ أنه أمر من الله تعالى ، ثم إحساس الإنسان بمسئوليته القيام بالإصلاح ويجد من يستمع إليه
أدركت البشرية المجردات والمعنويات وإدراك فيض الغيب ، فقد نزل القرآن في البيئة الجاهلية واستطاع أهلها أن يدركوا أبعاد هذا القرآن حتى أن الأعداء قد أقروا بذلك ، فهذا الوليد بن المغيرة يقول:\\\" والله لقد سمعت كلاماً ما هو كلام الإنسان ولا من كلام الجن ، وأن له لحلاوة او عليه لطلاوة وأن أعلاه لمثمر وأن أسفله لمغدق وأنه ليعلو وما يعلى وأنه ليحطم ما تحته ( 107) هذا النضج الفكري قد ظهر في بيئة الجاهليين فكيف لا يوجد ذلك في بيئة المدنيات قبيل عصر رسول الله (ص) وكانت المدنيات تفلسف الدين والحياة وفق مشتهياتها إلا أنها خاوية فلم تصمد أمام إدعاءات الإسلام وبراهينه الساطعة لذا انتشر الإسلام في هذه البيئات وقيل أن الإنسان اليهودي قبل عصر الرسول (ص) لم يعرف الحياة الآخرة والنصراني حرف معجزة ميلاد المسيح وغيرها من المعجزات لدرجة اعتقد النصراني ان عيسى ابن الله ، بينما ماذا قال الحارث بن مالك الأنصاري للنبي عندما سأله : كيف أصبحت يا حارث ؟ فقال : أصبحت مؤمناً حقاً قال: انظر ما تقول فأن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ فقال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي واظمأت نهاري كأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني انظر إلى أهل النار يتضارعون فيها ( 108)
القرآن معجزة العصر ن فكم من أحد آمن بالإسلام ولم ير النبي (ص) وعاش بعده لكنه لما تلى القرآن او سمع بعض آياته عرف الحق ( ( النحل / 89) والقرآن يعتبر كتاب هداية ، فلم يطلب الإنسان العاقل معجزة مادية كي يؤمن بالقرآن وأنه منزل من رب العالمين ، لأنه يخاطب العقل والنفس ، ويتوغل باعماقهما ويفتح المجال للعلماء وغيرهم الغور والتعمق فيه كي يدركوا أسرار الحياة والكون والإنسان ، لقد تخطت البشرية مرحلة الطفولة ومرحلة تلمس المحسوسات المادية ووصلت إلى مرحلة النضج العلي وبدات الحجة الداخلية للإنسان ( العقل) تفرض عليه التعامل مع المعنويات والإيمان بالغيب ، لذا البشرية تتحرك الآن لتطبيق حكم الله ( القرآن ) بعد أن جربت كل التشريعات الوضعية وبعد انتشار الظلم والجور في كل مكان وبعد فشل الشيوعية والرأسمالية والديمقراطية الغربية قيادة العالم ،
أعداء الإسلام :
المشركون :
محاولات الإسلام تصحيح عقيدة المشركين:
استطاع الإسلام ان يواجه المشركين بالأساليب المناسبة وذلك من أجل تصحيح عقيدتهم فاتبع الإسلام الأسلوب الهادي وضرب الأمثلة الواقعية والقصص العبرية وبعض القضايا المشتركة بين الإسلام والشرك مثل قصة إبراهيم وإسماعيل والبيت العتيق ومناسك الحج ، اتبع الإسلام عدة وسائل :
قضية التوحيد :
بدأ الإسلام بطرح قضية التوحيد من خلال احترام شخصية الإنسان وعقله وانه مزود بوساائل يستطيع ان يصل إلى الحقائق وأن عليه التدبر في كيفية الخلق وهدفه ، وأن الإنسان ناقص يحتاج من يسانده وحث الإسلام على التدبر النظري ( البصر ) والنظر الفكري واتخاذ العبر من خلق السموات والأرض وغيرهما ومعرفة نظام الزوجية في الكون الذي يعتمد على مبدأ الوحدة والتناسق ووحدة مصدر الخلق ألا وهو الله سبحانه ( الرعد/ 2-4)
ركزت السور المكية على قضية العقيدة بالذات على التوحيد وذلك لتربية الإنسان وربطه بخالقه وأن الأصنام لا تستطيع ان تقوم مقام الخالق والرازق والمحيي والمميت وعلى الإنسان ألا يقلد اجداده وآباءه وذكر القرآن قصص الأنبياء السابقين كسلسلة متصلة لخط النبوة وجهود الأنبياء في قضية التوحيد ، وبين القرآن أن وحدة النظام الكوني يدل على وحدة الإله وإلا اختل هذا النظام إذا كان هناك عدة آلهة ( الأنبياء / 21) ولماذا ينكر المشرك وحدة الإله الذي أنعم عليه وكيف أن الكائنات الأخرى تسير في خط التوحيد والفطرة
قضية المعاد:
ركز تعالى في آيات عديدة على قضية المعاد من خلال طرح ( الإماتة والإحياء ) مثل إحياء الأرض بعد موتها ( الزمر / 21) وإحياء الإنسان الميت مثل إحياء عزير النبي ( البقرة/259) إحياء الميت بعد أن نخرت عظامه ( يس/ 76) وكذلك الإنسان يتكون من جسم وروح وانه يعيش بعد الموت في عالم البرزخ
قضية النبوة:
ترتبط النبوة بالتوحيد وتسهم النبوة في تصحيح المسارات المنحرفة في خطوط العقيدة وبين تعالى حاجة الناس إلى الأنبياء وهذه الحاجة تعني حل لطبيعة التناقض بين الاهتمام بمصالح الجماعة الذاتية والاهتمام بمصالح الجماعة فالنبوة هي القانون الذي وضع صيغة الحل هذه بتحويل مصالح الجماعة التي تتجاوز الخط القصير لحياة الإنسان إلى مصالح الفرد على خطه الطويل عن طريق إشعاره بالامتداد بعد الموت أي الخلود في الجنة ( 109) مع ان المشركين يقرون بالنبوة كما يفهم من الآية ( الأنعام /8) إلا أنهم لا يقرون ان يكون النبي بشراً وإن كان بشراً يجب أن يبعث من الأغنياء
قضية العادات الأعراف الجاهلية :0
انتشرت الأخلاق غير الحميدة بين الجاهليين ولم يبت الإسلام بقضية هذه العادات بصورة قاطعة وإنما تدرج في ذلك
( البقرة/219، والمائدة/90 ، والنساء /43) وجاء التحريم القطعي في الخمرة التي توقع العداوة بين المسلمين ( المائدة/91) ، ورفع الإسلام من شان المرأة التي حقها مهضوماً وحرم وأد البنات ( التكوير/8_9 ) وحرم الإسلام الزنا والربا ونكاح زوجة الأب والغش بالتجارة
حركة النفاق :
المنافق هو الإنسان الذي يبطن الكفر والشرك وذلك خوفاً من المجتمع ، وقد كانت للنفاق جذور في مكة ولو أن القرآن صرح بظهور النفاق بالمدينة وما حولها ، وعلى رأس المنافقين عبدالله بن سلول الذي طمح ان يتوج ليكون ملكاً على سكان يثرب ، هناك من ينتظر هزيمة المسلمين كي ينضم إلى صفوف الشرك والنفاق فهو لا يريد ان يخرج ما يكنه او ما يعتقده من تصورات لذا يسمى النفاق هنا ب \\\" الشرك الخفي\\\"
وحذر الإسلام من المنافقين كما حذر من المشركين والكفار واليهود ، وأن القرآن فضح المنافقين في سورة \\\" الفاضحة أو التوبة \\\" وبعد موت النبي خفت حركة النفاق وكانهم رضوا بما يحصلون عليه وهادنوا الخلافة ولو أن بعضهم كان وراء الدسائس والفتن التي حصلت بين المسلمين
اليهود:
يعد اليهود القوة الثانية بعد قوة الشرك تواجه الإسلام وكان اليهود يعيشون في يثرب وخيبر وفدك وتيماء ووادي القرى ، واختلف المؤرخون بمجيء اليهود إلى الجزيرة العربية منهم من يقول انهم جاءوا بعد موسى ومنهم من يقول بعد انهيار سد مأرب ( 110) واختلف المؤرخون في أنساب اليهود يقول اليعقوبي أن أصلهم من قبيلة \\\" جذام العربية \\\" بينما غيره يقول انهم نزحوا من فلسطين إلى الجزيرة ( 111) وكان دور اليهود في يثرب التفرقة بين الأوس والخزرج ولما جاء نبي الإسلام اخذوا يكيدون له وللمسلمين ( 112)
اتبع اليهود عدة وسائل وأساليب لمواجهة الإسلام منها استمالة النبي إلى صفوفهم كي يتقووا على عرب يثرب ومنها أنهم جادلوا النبي في بعض قضايا ليشككوا المسلمين بعقيدتهم ، وزاد غيظ اليهود عندما اتخذ النبي (ص) الكعبة قبلة لصلاة المسمين ( البقرة/142) وتحالف اليهود تارة مع المنافقين في المدينة فدخلوا في حلف مع عبدالله بن أبي وتحالفوا مع قريش في غزوة الخندق ونتيجة لمكر اليهود وتحالفهم لضرب الإسلام أجلاهم النبي من المدينة ، وقبل ذلك حاولوا قتل النبي (ص) ( 113)
هذا وحاول الإسلام تصحيح عقائد اليهود من خلال قضية التوحيد وان الأنبياء خاصة إبراهيم وإسحاق ويعقوب موسى وغيرهم كانوا موحدين ومسلمين ( البقرة/132 و135)
النصارى :
تعاطف الإسلام مع النصارى في بداية الدعوة وذلك عندما انتصر الرومان على الفرس ( سورة الروم /2) كان هناك من المبشرين في الجزيرة شجعتهم روما بهدف مآرب سياسية ( 114) وقد اتصل نبي الإسلام بببعض النصارى في مكة ( الأعراف /126) وآمنوا بالإسلام ( القصص/52) هذا واتهم النبي (ص) أنه يتعلم من أحد النصارى ( النحل/ 103) ولعل القرآن في بداية الدعوة لم يتعرض إلى تحريف ديانة أهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) إلا بعد هجرة النبي (ص) إلى المدينة ، وقد يكون من أسباب اتهام النبي (ص) أنه يتلقى تعاليم دعوته من احد النصارى أن القرآن كان يذكر جهود الأنبياء السابقين ويثني على اهل الكتاب بشكل عام وعلى النصارى بشكل خاص ، ولكن بدا الصراع بعد ان توضحت معالم الدين الإسلامي وأخذ القرآن يبين تحريفات اليهودية والنصرانية وإنتماء المسلمين إلى الملة الإبراهيمية وان إبراهيم كان مسلماً حنيفاً ، وقد ذكر التاريخ قدوم وفد من النصارى من ( نجران ) على النبي ليحاجوه بأمر الإسلام وأمر النصرانية وأن النبي (ص) طلب منهم المباهلة فجمع أهل بيته فلما رأوا ذلك احجموا عن المباهلة ودفعوا الجزية ( آل عمران / 61)
اتبع الإسلام مع النصارى نفس الأساليب التي اتبعها مع اليهود في دعوتهم إلى الإسلام فكان أسلوب الجدال في قضية عيسى وولادته وعبوديته لله ولكن وكما ان أكثر اليهود لم يؤمنوا كذلك الحال أكثر النصارى لم يؤمنوا بدين الإسلام بل وصل الأمر ان يقتل رسول نبي الإسلام عندما حمل رسالة منه إلى حاكم بصرى النصراني لدعوته إلى الإسلام ، وقتل الرومان أمير الغساسنة الذي أسلم فأرسل رسول الله جيشاً بقيادة جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبدالله بن رواحة إلى مؤتة فانهزم المسلمون بعد أن قتل القادة الثلاثة ( 115)
وتطلع النصارى إلى بيت المقدس كمكان مقدس يجب تخليصه من المسلمين فكانت الحروب الصليبية ( Crusade ) التي بدأت عام 1095م عندما خطب البابا الثاني ( Urban 11 ) في فرنسا بعد خاتمة مجمع ديني لمناقشة احوال الكنيسة الكاثوليكية المتردية دعا البابا إلى شن حملة تحت راية الصليب ضد المسلمين في فلسطين ، استطاع الصليبيون في الحملة الأولى من إقامة الإمارات الصليبية في بيت المقدس وطرابلس وانطاكية والرها ، واستمرت الحملات إلى أن بلغت سبع حملات ، وفي هذه الأثناء استطاع بعض القادة المسلمين من توحيد الصف الإسلامي ضد الصليبين منهم صلاح الدين الأيوبي الذي الحق الهزيمة بالصليبين في حطين واسترد بيت المقدس ، وفي عهد السلطان الظاهر بيريس تم توحيد مصر والشام وبدأ بشن حرباً ضد الصليبين عام 1261م وسقطت يافا وانطاكية وغيرها بيد المسلمين وآخر مدينة حررها المسلمون هي عكا 1291م ( 116)
وشن الصليبيون حرباً ضد المغرب العربي واحتلوا سبتة ومليلة واستمر المرابطون يقاومون الصليبين واستمرت هذه الحروب 300 سنة وتسمى عند النصارى حروب الاسترجاع لاسترداد الأندلس من قبضة المسلمين واستمر الوجود الصليبي في بعض مدن المغرب العربي وذلك لأهمية مضيق طارق في التحكم في مدخل البحر المتوسط ( 117)
الاستشراق عبارة عن حرب ثقافية وتعني كلمة الاستشراق دراسة الآداب الشرقية وأحوال الشرق المختلفة عن أحوال الغرب وذلك للتمييز بينهما وإنما نعني دراسة الشرق وبناء نظريات علمية بهدف السيطرة عليه ومحاولة غعادة تنظيمه وبنائه وتوجيهه والتحكم فيه ظهر هذا المفهوم مع أوج عصر الاستعمار الأوربي لأغراض سيسية كما في دراسة ملتون جب ( Gibb ) في كتابه ( Modern Trends In Islam ) أي الاتجاهات الحديثة في الإسلام ترجع بدايات الاستشراق إلى المجمع الكنسي الذي عقد في فيينا عام 1312م وكان أهم قراراته إنشاء عدد كراسي للغة العربية واليونانية في جامعات أوربا
عوامل انتشار الإسلام :
المباديء السامية :
جاء الإسلام لينقذ الإنسان من أخيه الإنسان ( 118) لذا حاول الإسلام علاج نظام الرق وتجفيف منبعه من خلال الكفارات إلى جانب طرح الإسلام مبدأ المساواة بين الناس وإن التمايز يتم بواسطة التقوى وتمتاز مباديء الإسلام ببساطة عكس عقائد اليهود والنصارى
التسامح الديني :
خير الإسلام أهل الكتاب بين دخول الإسلام أو دفع الجزية طالما هم في ظل الدولة الإسلامية ويعترف السير توماس البريطاني ان نشر الإسلام في ربوع الأرض بسبب التسامح الديني
جهود الدعاة والتجار :
كانت الخلافة الإسلامية ترسل إلى بعض المناطق المجاورة دعاة بهدف معرفة نوايا السلطات هناك اتجاه الدلوة الإسلامية ومعرفة نواحي القوة الضعف فيها وتأمين طرق التجارة ، مما فسح لبعض الناس دخول الإسلام بعد تأثرهم بسلوك التجار كما في الهند والصين وجنوب شرق آسيا
تدهور الأحوال العامة في بلاد الروم وفارس :
نتيجة الحروب الطاحنة بين الرومان والفرس فقد تدهورت الأحوال العامة في هاتين الدولتين و فرضت الضرائب على الناس ومل الناس من الظلم والتمايز الطبقي خاصة سكان المناطق المجاورة للجزيرة العربية ، فدخل كثير منهم الإسلام بعد تأثرهم بسماحة الإسلام
فشل الشيوعية والرأسمالية :
لقد ظهر الصراع بين المعسكرين الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي سابقاً والرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة واستمر هذا الصراع بعد الحرب العالمية الأولى واشتد بعد ظهور الولايات المتحدة كقوة كبرى بعد الحرب العالمية الثانية ، ولكن في بداية التسعينيات بدأت بعض الجمهوريات التابعة للاتحاد السوفييتي بانفصال عن الحكومة المركزية وبالتالي استقلت هذه الجمهوريات وعرف آنذاك بانهيار الشيوعية ولو ان الصين تمثل الوجه الآخر من الشيوعية إلا انها بعد الثمانينيات من القرن الماضي استطاعت ان تنوع في الاقتصاد أي انها لم تعتمد على النظام الشيوعي فقط بل اخذت من الرأسمالية لهذا أخذت تنافس الولايات المتحدة تجاريا حتى قيل أنها سترث مكانة الولايات المتحدة بعد انهيار الرأسمالية
هذه المقدمة تعني أن فشل الشيوعية والرأسمالية كنظامين لقيادة دول العالم يعني ظهور قوة اقتصادية بل وسياسية أخرى خاصة قوة الإسلام التي ترث الشيوعية والرأسمالية في قيادة العالم
هوامش
1- تاريخ الطبري ج1 ط2 القاهرة ص124 والكامل في التاريخ ج1 ص36 وهناك قول أن أرض (نود) توجد في شرقي عدن باليمن ( تفسير الميزان ، ج5 ص318)
2- تفسير في ظلال القرآن ، سيد قطب ج1 ص70
3- تاريخ الطبري ج1، ص122
4- المعارف ، ابن قتيبة ، ص15
في هذا المضمون قال أهل الهند ان آدم كان عبداً هرب إلى الغرب ( اتجاه الشرق الأوسط ) وجاء بأولاده يقول المعري في هذا المعنى :
تقول الهند آدم كان قناً
لنا فسعى إليه فحببوه ( قصص الأنبياء ، عبدالوهاب النجار )
ويعتقد أهل فارس ان آدم اسمه (جيومرث) وأن أولاده عاشوا في إيران وعندما حدث الطوفان هاجروا إلى بلاد الرافدين ( الكامل في التاريخ ، ابن الثير ، ج1، ص73)
5- الطبري ج1 ص128
6- مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، باقر ، ص184 ، وتاريخ حضارة اليمن ، عنان ، ص40
7- نفس المصدر السابق ص40
8- قصص الأنبياء ، النجار ، ص82
9- تطور الجنس البشري ، غلاب ، ص223
10- العرب واليهود في التاريخ ، سوسة ، ص8
11- الطبري ج1 ، ص138
12- سورة طه / 117 وفاطر/ 35، ويس/36
13- سورة البقرة /30
14- سورة المائدة /31
15- الكامل في التاريخ ، ج1 ص56
16- قصص الأنبياء ، النجار ، ص26 والأديان والإنسان ، طاهر ، ص38
17- قصص الأنبياء ، النجار ، ص26
18- تاريخ الجنس العربي ، دروزة ، ج1 ، ص35
19- سورة نوح/ 27
20- العصور القديمة ، برستيد ، ص118
21- مصر الخالدة ، زايد ، ص78
22- مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، باقر ، ص226
23- نفس المصدر السابق ، ص267
24- H.R.Hall The Ancient Hiatory of The Near East .London 1953 pp171
25- العصور القديمة ، برستيد ، ص126
26- مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، باقر ، ص315
27- سورة الشعراء/105
28- سورة هود / 27
29- سورة هود/ 32
30- سورة نوح/ 12
31- سورة الزخرف/ 23
32- سورة الشورى/ 13
33- سورة الأعراف 64
34- الكامل في التاريخ ، ابن الأثير ، ج1 ، ص73
35- المختصر في أخبار البشر ، تاريخ أبي الفداء ، ج1، ص11
36- مع الأنبياء ، طبارة ، ص73
37- الكامل في التاريخ ، ابن الثير ، ج1 ، ص93
38- سيرة ابن هشام ، ج2، ص70
39- سورة الفجر/ 7-8
بعد وفاة النبي نوح هاجرت مجموعة كبيرة من ذريته باتجاه بلاد الشام وبعضها باتجاه الجزيرة العربية وتسمى هذه الهجرة الكبرى الثانية مع هجرة السومريين إلى بلاد الرافدين ، وذكر بعض المؤرخين المسلمين ( ابن خلدون وابن النديم) ان عاداً تركوا العراق خوفاً من ملوك أبناء حام بن نوح أو ان هؤلاء قاوموهم فخرجوا إلى الجزيرة العربية ( تاريخ حضارة اليمن القديمة ، عنان ، ص34)
40- سورة الفجر /11-12
41- تاريخ العرب قبل الإسلام ، جواد علي ، ج1، ص158
42- نفس المصدر السابق ، ص159
43- سورة الأعرااف / 69
44- سورة فصلت / 15
في مقام التذكير بانعم الله عز وجل على عاد يقول القرآن على لسان هود :\\\" ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل عليكم السماء مدراراص ويزيدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين \\\"( هود/ 52)
45- البداية والنهاية ـ ابن كثير ج1، ص105
46- تاريخ حضارة اليمن القديمة ، ص40
47- البداية والنهاية ،ج1 ،ص130
48- قصص الأنبياء ، النجار ، ص58
49- البداية والنهاية ،ج1 ، ص138
50- الإنسان في القرآن ، العقاد ، ص 70
51- تفسير الميزان ، ج14، ص186
52- تفسير الميزان ، ج10، ص 312 :
يقول المفسر : قال القوم لصالح رفض عبادة الأصنام بدعة منكرة تذهب بسنة ثمود المقدسة وتهدم بنيان ملتهم وتميت ذكرهم فعلينا ان نرده
53- سورة فصلت/17
54- العرب واليهود في التاريخ ، سوسة ، ص260
كان اسم إبراهيم هو أباشا في عهد سنورت الثاني الذي حكم مصر في 1904 ق.م حيث جاء إبراهيم على رأس وفد من الساميين من الصحراء ( مصر الخالدة ، زايد، ص 492)
55- العرب واليهود ، سوسة ، ص254
56- نفس المصدر السابق ، ص255
57- مريم/ 48، والصافات / 100 وإبراهيم/41
58- مصر الخالدة ، زايد ، ص381
59- قصة الحضارة ، ج2، ص211 ، Roehm and Others , Thr Record of Mankind , USA1956pp33
60- مصر الخالدة ، ص382
61- خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى ، ج1 ، ص56
62- Roehm and Others , The Record of Mankind USA 1956 PP31
63- نفس المصدر السابق ص31
64- فكرة القانون ، مجلة عالم المعرفة ، نوفمبر 1981 الكويت ، ص58
شريعة حمورابي عبارة عن شرائع وقوانين سومرية وسامية قديمة ظلت سائدة اكثر من ألف سنة وتنظم هذه الشريعة حياة الناس في امور النزاعات ويتبين ان هناك مجتمعاً رعوياً وزراعياً يختلف عم المجتمع العبري اليهودي وشريعة حمورابي تشبه شريعة النبي موسى النازلة من السماء واقتبست شريعة حمورابي من شريعة إبراهيم
65- خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى ج1، ص63
66- تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم ، دروزة ، ص65
67- مصر الخالدة ، زايد ، ص470
68- قصة الحضارة ، ج2 ن ص326
69- خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى ، ج1 ، ص69
70- نفس المصدر السابق ص70
71- نفس المصدر السابق ، ص70
72- بنو إسرائيل في القرىن والسنة ، سيد طنطاوي ، ج2 ، ص327
73- قصة الحضارة ج2، ص297
74- قصة الحضارة ج2 ص300
75- المشكلة اليهودية ، نعناعة ، ص304
76- قصة الحضارة ج2، ص350
77- نفس المصدر ج2، ص363
78- العصور القديمة ، برستيد ، ،ص78
79- القدس الخالدة ، عبدالحميد زايد ، ص113
80- قصة الحضارة ج2 ، ص366
81- التلمود ، تاريخه وتعاليمه ، خان ، ص28
82- E,Gibbon, The Decline and fall of The Roman Empire , London ,1965 pp143
83- أوربا في العصور الوسطى ، ولاس ، ترجمة حياة الحجي ، الكويت 1979، ص212
84- خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى ، ج1، ص196
85 أوربا في صدر العصور الوسطى ، ص11
86 أضواء على المسيحية ، شلبي ، ص96
87 محاضرات في النصرانية ، أبو زهرة ، ص152
88 اوربا في صدر العصور الوسطى ، ولاس ، ص14
89 نفس المصدر السابق ، ص15
90 أضواء على المسيحية ، شلبي ، ص65
91 محاضرات في النصرانية ، ص45
92 أضواء على المسيحية ، شلبي ، ص68
93 محاضرات في النصرانية ،ص50
94 –نفس المصدر السابق ، ص57
95 – دائرة المعارف البريطانية ، ومحاضرات في النصرانية ، ص140
96 – أوربا العصور الوسطى ، عاشور ، ج1 ، ص40
97 – اضواء على المسيحيية ، شلبي ، ص94
98 نفس المصدر السابق، ص102
99 – خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى ، ، ص199
100 أضواء على المسيحية ، ص29
101 خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى ، ص192
102 قاموس المنجد ، دار الشرق ، ختم
103 الطبري ، ج3، ص498
104 سيرة ابن هشام ، ج2، ص190
يقول ابن هشام انه جاء تجار من النصارى إلى مكة للتجارة فعرف بعضهم النبي (ص) وهو ابن سبع سنوات لعلامات وجدوها في كتبهم ( سيرة ابن هشام ، ج1 ص23
105 في ظلال القرآن ، ج6، ص362
106 البخاري ، باب نزول عيسى ابن مريم ، ج12، ص159
107 سيرة ابن هشام ، ج2،ص161
108 في ظلال القرآن ، ج3، ص807
109 المرسل ، الرسول ، الرسالة ، محمد باقر الصدر ، ص18
110 مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول ، الشريف، ص417
111 نفس المصدر السابق ، ص297
112 نفس المصدر السابق، ص 326
113 سيرة ابن هشام ، ج3، ص122
114 مكة والمدينة ، الشريف ، ص232
115 سيرة ابن هشام ، ج3، ص125
116 ماهية الحروب الصليبية ، عالم المعرفة ، مايو 1990 ، ص159
117 مجلة العربي الكويتية ، يناير 1988
118 الطبري ، ج3 ، ص498

26/9/2012