عالم ما بعد الموت

بيانات الملخص الأولية
المؤلفون:
الحقل:
اللغة:
الملخص

كتاب عالم ما بعد الموت
الباحث / عباس سبتي
غرة شعبان 1430 هج
23 يوليو 2009م

مقدمة :
الموت مرحلة من مراحل التكامل يمر بها الإنسان شاء أم أبى ، ولا يعرف عن الموت وأسراره إلا القليل وهذا هو السبب من القلق بالموت وما ينتظرالإنسان من مصير مجهول بعده
يدرك الإنسان بفطرته إن كل كائن ميت ولكن القليل من يعتقد أن الإنسان لا يفنى بانتهاء دورة الحياة على الأرض والانتقال إلى عالم آخر .
بعض الأقوام السابقة أنكروا فكرة البعث وجادلوا أببياءهم على هذه الفكرة وهم يعتمدون على الظن بأن الحياة الدنيا هي حياة الإنسان التي يعيشها فقط في الدنيا وبموته ينتهي الإنسان كما ظن الدهريون " وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر " ( الأحقاف /24)
تشير الإحصائيات الحديثة التي ظهرت في الستينات من القرن الماضي أن قلق الموت قد لازم الإنسان الأوربي بالذات بسبب طغيان المادية على الجانب الروحي في حياة المجتمعات الغربية
الإنسان البدائي يؤمن بالموت وقد دلت المخلفات الآثارية على هذا الإيمان وان تصوره عن الموت أعمق عن الإنسان الأوربي في بعض الحالات ، وقد يربط بعض معتقدات الإنسان البدائي خاصة الموت منها بالسحر والأساطير ، وهناك من يعتقد ان الروح تبقى بعد الموت وتظهر للأحياء في الأحلام كما بالنسبة للإنسان الياباني البدائي
ينتقل الإنسان بعد الموت إلى عالم أوسع من الدنيا ويسمى هذا العالم بعالم البرزخ أوعالم الروح حيث يختلف طبيعة جسم الإنسان عن جسمه المادي لاختلاف هذا العالم عن عالم الدنيا ، وان عالم الروح محيط بعالم الدنيا وتحس الأرواح انها تعيش كما عاشت في الدنيا وتحس بالأشياء المادية هناك لكن هذه الأشياء من اللطافة والرقة بحيث نحن سكان الأرض لا نشعر بها
هناك فارق بين عالم القبر وعالم البرزخ ولكل عالم خصائصه لذا جاء في البحث الفصل بين العالمين
ويتناول هذا البحث عالمي الموت القبر وعالم البرزخ فقط وأما عالم القيامة بعد البرزخ سوف يعالج في بحث منفصل

عباس سبتي
غرة شعبان 1430 هج
23 يوليو 2009م

الفصل الأول : المدخل : مفاهيم ومصطلحات

مفهوم الموت :
يوجد تصوران عن مفهوم الموت ، تصور بسيط عام يؤمن به غالبية الناس وهو عبارة عن خروج الروح من الجسد المادي وتوقف الحياة والحركة لهذا الجسد ومواراته التراب
وتصور مركب وهو عبارة ان الإنسان يبدأ حياة جديدة وثانية بعد ان انتهت حياته الأرضية في عالم آخر ، يعتبر الموت مرحلة انتقال من عالم إلى عالم آخر ،
عرف الإنسان الأول أو الإنسان البدائي أو المنقرض مفهوم الموت وسبب حدوثه وقد بقى عند الميت فترة من الزمن إلى أن يتعفن جسد الميت فيخرج من عنده وهو حزين ويغير مكانه أي أنه يبقى عند الميت ولعل ذلك في اعتقاده بالموت وأن الإنسان لا ينتهي بالموت ، وقد فسر بعض المؤرخين أن الإنسان الأول يأكل لحم البشر لوجود العظام البشرية في الكهوف التي عاشها هذا الإنسان ، على الرغم من أن بعض الآخر ينكر ذلك وقد يكون الإنسان الأول يرى تجربة الموت في غيره فيعرف أنه ميت لا محالة وأن وجوده على الأرض محدود وينتهي بعد أن يؤدي دوره الذي حدده خالقه له ،ويتمثل هذا الدور في عملية التكاثر وحفظ النوع البشري من الانقراض
هناك من يقول أن الإنسان البدائي يعتقد أن الموت عبارة عن نتاج عمل عدو أو تأثيره الشرير على بني جنسه مثلما تعتقده جماعة البوشمن في أدغال أفريقيا وهذا الرأي لا يصمد أمام الحقيقة القائلة وهي أن الإنسان الأول الذي وجد منذ مليون سنة لا يمكن مقارنته بإنسان قبيلة البوشمن ومن جهة صحيح أن جماعة البوشمن شأن أي جماعة بشرية تكره الموت لأنه يفصل العزيز عنها إلا أن الموت حكم مؤكد على بني البشر الأوائل والحاليين
توجد أدلة تاريخية على أن الإنسان الحجري قام ببناء الأضرحة الضخمة في العصر الحجري الحديث لدفن الموتى واستمرت هذه العادة مع بني آدم لكن يقول بعض المفسرين ما كان قابيل يعلم ستر جسد أخيه المقتول وأنه اول مقتول في الأرض كيف كان هابيل أول قتيل على الأرض بينما القرآن وما قصة الغراب الذي بعثه الله تعالى ليعلم قابيل مواراة سوأة أخيه ( والسوأة هي الجثة التي فارقتها الحياة ويسري فيها العفن ولا تستسيغها النفوس
الجواب هو أن قابيل قام بأول تجربة (قتل ) لم يعرف نتائجها فانبهر وهو يجد اخاه ميتاً أمامه وندم على فعلته " فأصبح من النادمين " ( المائدة/ 31 ) ومن أثر صدمة العمل لم يدر ما يفعل وأثر إبليس عليه مثلما زين له قتل أخيه ،
وظهرت عدة مفاهيم عن الموت في الغرب ، حيث نقل الإنسان الأوربي عن الإنسان الأوربي البدائي تصوره عن الموت ، ان الموت يمنع الاتصال بالأحياء ، ويقول اليونانيون ان الموت هو الشر الأعظم بينما يقول " كريون " ان الموت رهيب للغاية ومخيف وان الإنسان يكون في أعماق الجحيم ، بينما يعتبر فيثاغورس ( 572- 497 ق. م ) الموت عبارة عن تناسخ الروح ، الروح تسجن في الجسم ثم تغادره عند الموت وبعد فترة التطهر تدخل الجسم مرة أخرى وهذه العملية تتكرر
وأما تصور الموت عند اليهود ، فهو ليس إلا الشر الأعظم نتيجة خطأ الإنسان ، وجاء في العهد الجديد ( الأنجيل ) عن مفهوم الموت انه اعظم الأعداء وأسوءهم ولكن لا يمكن قهره إلا عن طريق بعث الموتى في يوم القيامة
وردت كلمة الموت في القرآن حوالي (52) مرة ، وهذا التكرار يدل على ربط الإنسان بالحياة بعد الدنيا والاستعداد للموت ، ويعتبر الموت والإحياء سنة كونية تشمل الإنسان وغيره من الكائنات بل حتى الأرض تحيا وتموت ( يس /34) ، وقد يكون الموت عبارة عن رجوع العبد إلى ربه ، وتقال هذه العبارة "إنا لله وإنا إليه راجعون " عند نزول الموت بالإنسان ، والموت والإحياء عبارة عن الابتلاء في الدنيا ( الملك /1-2)
في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر ظهرت الحركة الروحية في أوربا وذلك بهدف دراسة الروح بعد الموت ، وحياة الإنسان التي لا تنتهي بانتهاء موته ، ويقول انصار هذه الحركة الروحية ان الروح هي عبارة عن الجسم الأثيري الذي يطابق في الشكل الجسم الفيزيقي ( الترابي ) وهي التي تجعل هذا الجسم الفيزيقي يتماسك ن وما الموت إلا انفصال الجسم الأثيري عن الجسم المادي والترابي ويحمل معه العقل او النفس في العالم الآخر

قالوا عن الموت :
قال رسول الله (ص) : أيها الناس ان لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم وان لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم وأن العبد ببين مخافتين بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاضي فيه
وفي خطبة لرسول الله (ص) : أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا قد كتب وكان الحق فيها على غيرنا قد وجب وكأن الذي نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون ... وأضاف فرحم الله امرءاً نظر لنفسه ومهد لرمسه ما دام رسنه مرخى وحبله على غاربه ملقى قبل أن ينفذ اجله وينقطع عمله
وعن الإمام علي ما رأيت إيماناً مع يقين أشبه منه بشك على هذا الإنسان أنه كل يوم يودع إلى القبور ويشيع وإلى غرور الدنيا يرجع وعن الشهوة والذنوب لا يقلع فلو لم يكن لابن آدم المسكين ذنب يتوقعه ولا حساب يقف عليه إلا موت يبدد شمله ويفرق جمعه ويؤتم ولده لكان ينبغي له أن يحاذر ما هو فيه بأشد النصب والتعب
كتب عمر بن عبدالعزيز إلى أناس من أصحابه : بعد الوصية بتقوى الله ,, فالله الله عباد الله اذكروا الموت الذي لا بد منه واسمعوا قول الله تعالى كل نفس ذائقة الموت " ( آل عمران / 185 ) وقوله تعالى فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ..
قال القرطبي : الموت هو الخطب الأقطع والأمرالأشنع والكأس التي طعمها أكره وأبشع وأنه الحارث الهاذم للذات
قال بعض الحكماء بان الموت موتان موت إرادي وموت طبيعي وكذلك الحياة حياتان حياة إرادية وحياة طبييعة ، وعنوا بالموت الإرادي إماتة الشهوات وترك التعرض لها وبالموت الطبيعي مفارقة النفس البدن ، وعنوا بالحياة الإرادية ما يسعى له الإنسان لحياته من المآكل والمشارب والشهوات وبالحياة الطبيعية بقاء النفس الأبدية بما تستفيد من العلوم الحقيقية
قال الذاكرون للموت على أصناف فمنهم المنهمك في اللذات المنكب على الشهوات فهو أن اتفق ذكره للموت تأسف على دنياه واشتغل بمذمته ويزيده ذكر الموت من الله بعداً ، ومنهم التائبون الذين يكثرون ذكر الموت لينبعث من قلوبهم الحوف والخشية وربما كرهوا الموت قبل التوبة ، ومنهم العافون الذي يكثرون ذكر الموت لأنه موعد للقاء الحبيب والمحب ، ومنهم المفوضون وهم الذين يفوضون أمرهم إلى الله سبحانه ولا يختارون لأنفسهم موتاً ولا حياة وأحب الأشياء إليهم ما يختار لهم ربهم
حكمة الموت :
يتساءل المرء لماذا قضى الله عز وجل على بني آدم الموت ؟
ولماذا عصى آدم ربه حتى خرج من النعيم الخالد لا يفنى فيه إلى الدنيا فيها نصب وتعب ومرض وموت ؟
في الحقيقة يجب ان يدرك الإنسان ان الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج أولاً إلى معرفة هدف الحياة بمعنى لماذا خلق الله عز وجل الإنسان الذي يمثل رمزاً من رموز الحياة الواهبة
يقول تعالى " ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " ( الذاريات /56 )
إذن الهدف هو العبادة ومعرفته تعالى وهي مظهر من مظاهر العبادة ، لكن هل يحتاج الله تعالى إلى هذه العبادة وهو الغني عن العالمين ؟
الجواب الإنسان هو الذي يحتاج إلى ربه ، لماذا ؟؟ ليتكامل في دورة الحياة ، فهو يعيش في عالم ثم ينتقل إلى عالم وهكذا ..
يقول تعالى :" الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً " ( الملك /2 )
يفهم من الآية إن هدف خلق الإنسان هو الابتلاء ، فالإنسان الذي يحصل على شيء ما دون تعب ودون ابتلاء لا يحس بطعمه وأهميته ، ولكن إذا سعى وتحرك لنيل هذا الشيء فأنه يشعر بالسعادة لأنه ظفر به
بعد هذه المقدمة نقول أن الموت لصالح الإنسان ذلك ليعرف أنه إنسان وليس إله وأنه خاضع لقوانين فهو بشر وأن الموت ينال منه مثلما ينال من غيره ، وإذا عرف الإنسان ان وراءه موت ومصير قد لايعرف مآله ، فأنه يردع عن المعاصي او لايخرج عن دائرة الطاعة والخضوع التام لله
إن تركيبة وطبيعة الإنسان من مادة وروح ، وان المادة تركن إلى الدنيا أو ما يعبر عنه القرآن الانكباب والإخلاد إلى الأرض ، يقول تعالى ": ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه " ( الأعراف/ 176) كما بالنسبة لأهل المعاصي ن فهم يبحثون عن خلود زائف في هذه الدنياوينسوا أن الخلود لا يكون إلا في عالم الآخرة
والخلود ليس من طبيعة المادة الزائلة ولكن من طبيعة الروح ، وإذا فكر الإنسان في الدنيا بالخلود فأن ذلك يعني انه يعاني من الكبر والتجبر وهي من صفات الإله وليس من صفات البشر ، ولعل بالموت والمرض والفقر قد يجعله يعود إلى صوابه ويعرف أنه ضعيف وانه هالك ويبقى معه عمله وسعيه بعد الموت ، يقول تعالى :" وإن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى " ( النجم / 39-40 )
وأخيراً ان العقل في إطاره المادي ( المخ ) لا يستطيع أن ينطلق ويتحرر ليصل إلى الكمال إلا بالموت
حالات بين الموت والحياة :
هناك حالات يتعرض لها الميت وهو يغادر عالم الدنيا وهي لحظات حرجة وصعبة على الميت وهي لحظات بين الموت والحياة
حالة الاحتضار :
استقبال القبلة وأداء الحقوق التي في رقبته كالعبادات والديون المالية و العينية
وقراءة بعض الأدعية المخصوصة
سكرات الموت :
يقول تعالى :" وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ( ق/19 ) في شرح الآية الاولى الحيد العدول والميل على سبيل الهرب والمراد بسكرة الموت ما يعرض الإنسان حال النزع إذ يشتغل بنفسه وينقطع عن الناس كالسكران الذي لا يدري ما يقول ولا ما يقال له
حالات سكرات الموت حالات غير مرئية وغيرملموسة بالحواس المادية لأنها حالات تمس الجسم المثالي ( الروح )
قبض الروح :
من يقبض الأرواح ؟
جاء في القرآن الكريم ان القبض ينسب إلى الله عز وجل ، وقد ينسب إلى ملك الموت ( عزرائيل ) وينسب إلى بعض الملائكة
وقد يرى الإنسان أن الكافر تقبض روحه بيسر فيعتقد سلامة عقيدته ، لكن أن المنظر الخارجي لا يعني سهولة قبض روح الكافر ، وقد يهون على الكافر عند الموت بسبب عمل معروف عمله في الدنيا ، لذا قد يتعرض المؤمن إلى شدة سكرات الموت لتكميل إيمانه ورفع درجته (28 ) إذا كان الميت من أهل الطاعة تولت ملائكة الرحمة قبض روحه ، وإذا كان الميت من أهل المعاصي تولت ملائكة العذاب قبض روحه ، هذا ولملك الموت أعوانه من هؤلاء الملائكة ، قيل لملك الموت كيف تقبض الأرواح وبعضها في الشرق وبعضها في الغرب وفي ساعة واحدة ؟ قال : ادعوها فتجيبني ، ونقل عن ملك الموت : إن الدنيا بين يدي كالقصعة بين يدي أحدكم يتناول منها ما يشاء ، والدنيا عندي كالدرهم في كف أحدكم يقلبه كيف شاء
تجسيم الأعمال :
إن حالة الموت ليس بالأمر الهين كما يظن بعض ، إذ أنها من الحالات الصعبة التي لا يعرفها إلا من يمر بها أي يكون من الأموات ، وتظهر علامات على وجه المحتضر مثل احمرار الوجه او اسوداد الوجه ، والخوف من فقد الأموال والنعم والجاه
الإنسان الكهل الذي يغادر الدنيا قد يرى أعماله وتصوراته أيام شبابه لأن هذه التصورات معه لكنه نسيها بعد أن هرم ، وتظهر هذه التصورات والأماني والمعتقدات في الذاكرة فيتذكرها في عالم بعد الموت –البرزخ – روى المجلسي عن النبي أنه قال : المسلم إذا ضعف من الكبر يأمر الله سبحانه الملك أن يكتب له في حاله تلك ما كان يعمل وهو شاب نشيط
جاء في الصحاح والسنن أن شاباً في حالة النزع الأخير والاحتضار قد حضر عنده النبي (ص) فقال له النبي (ص) قل :" لا إله إلا الله " لم يستطع ان يقولها ( وأن ينطق بالشهادتين ) فقال له النبي (ص) ماذا ترى ؟ قال : أرى رجلاً أسود قبيح المنظر وسخ الثياب نتن الريح قد أخذ بحنجرتي ، فاستدعى النبي (ص) أمه وقال لها إذا لم ترضى عن ولدك فأن مصيره إلى النار ، فرضيت الأم عن ولدها فتغير المنظر فقال : أرى رجلاً أبيض اللون حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب ، ثم توفي الشاب
يفهم فيما سبق أن الحسنات تتمثل بالبياض وهو رمز الطهارة والقداسة وأن السيئات تتمثل بالسواد وهو رمز الخبث والضلال
مراسم الدفن :
توجد مواقف مشتركة في حياة الإنسان أثناء تكامله وسيره إلى ربه خلال العوالم المتعددة ، هناك موقف الولادة وموقف الوفاة وموقف البعث والنشور والحساب والميزان وتطاير الكتب و.......
في حالة الولادة يبكي الجنين وهو يستقبل أهله الذين يفرحون بقدومه ، بينما في حال احتضاره بل في موته يحزن أهله وهم بقربه وقد يحزن هو أيضا إذا كان من أهل المعاصي وقد يفرح بعض اهله الذين يطمعون بماله وثروته بعد موته
لحظة ولادة الإنسان يغسله أهله وهذا الغسل عبارة عن التطهر واستقبال عالم الدنيا وفي حال الوفاة يغسل الميت وهو ينتقل إلى عالم ما بعد الموت وهو على التطهر والتهيؤ في عالمه الجديد
يلف المولود بخرقة ( قماط ) كذلك عند موته وانتقاله من الدنيا يكفن ، ويؤذن في أذن المولود اليمنى ويقام ( الإقامة ) في أذنه اليسرى وهو يستقبل الحياة الدنيا ليتذكر المولود خالقه ومنعمه فيقر بالشهادتين ليكون مسلماً ، وأما المتوفي فالتلقين عملية تذكير وتذكر وهي عبارة عن الإقرار بالوحدانية والنبوة والمعاد
وعند وضع الرضيع في مهده ويربط برباط يشبه ذلك وضع الميت وهو في لحده ، فالمهد رمز لأول منازل الدنيا واللحد او القبر رمز لأول منازل الآخرة
هذه المراسم التي تجرى على الميت يستفيد منها في عالمه الجديد ويتعظ الأهل والأصدقاء ، ولذا جاء في المأثور أن النبي (ص) قال عند قبر قد وارى صاحبه تواً " يا اخواني لمثل هذا اليوم فاستعدوا
غسل الميت :
بعد موت الإنسان يبدأ أول مرحلة من مراحل الدفن وهي غسل الميت ، ويشترط في الغاسل البلوغ والإيمان أي يكون مسلما والمماثلة بين المغسل والميت في الذكورة والأنوثة
آداب غسل الميت :
وضع الميت على مكان مرتفع ونزع قميصه ومن أطراف رجليه أو فتقه عند رضى الورثة وغسل الميت تحت السقف وما شابه وتليين أصابع الميت ومفاصله برفق وغسل يدي الميت قبل الغسل في كل مرة إلى نصف الذراع ثلاث مرات وغسل رأسه برغوة السدر وأن يكون الغاسل مشغولاً حال الغسل بالذكر والاستغفار
الغسل يأخذ بعدين بعد مادي وهو غسل البدن وهذا الغسل له أثر على الميت ولو أن جسده يوارى في التراب وهذا يشبه من يغسل من الجنابة والحكمة من غسل كل البدن في حال الجنابة ان المني يتكون من جميع الأطعمة الموجودة في الدم والذي ينتشر في جميع بدن الإنسان
واما البعد المعنوي للغسل وهو أن الإنسان يتكون من جسم آخر غير هذا الجسم المادي والترابي ويسمى القالب المثالي وهو يشبه الجسم المادي والذي سوف يحيا بهذا الجسم المثالي في عالم البرزخ ، وهذا البدن سوف يتطهر بعد خروج الروح من البدن المادي أو انفصال الجسم المثالي عن الجسد المادي ، وعند وصول الجسم المثالي إلى عالم البرزخ يكون طاهراً أي أنه خرج من الماديات وتلوثاتها ليستقبل الحياة البرزخية كما أن الجنين عند ولادته يتطهر من وسخ ونجاسة رحم أمه ليستقبل عالم الدنيا ، وهناك حكمة اخرى وهي أن غسل الميت معناه خروجه من ذنوبه ولكن ليس كل الذنوب ، لأن الذنوب الكبيرة لا تغتفر إلا بشروط
ولا بأس بذكر نكتة وهي إن طهارة الجسم يتم بالغسل والوضوء ، أما الغسل فهو من الجنابة والعادة الشهرية وبعض أنواع الاستحاضة والنفاس بالنسبة للنساء ، وأما الوضوء فهو من النوم الغالب حيث أن النوم يشبه الموت ، وبخروج البول والغائط والريح من جسم الإنسان أي ان مادة البول والغائط مثل المني وهي مكونة من الأطعمة التي يتناولها الإنسان من اجل قوام بدنه فهو يتطهر بالوضوء لخروج هذه المادة من جسمه
ومن الحكمة أن تحريك وتدليك البدن أثناء الغسل أنه يساعد على خروج الروح أو الجسم المثالي باتجاه واحد وبهدوء
وعند الغسل يقال أن الجسم المثالي ينظر إلى غاسله ويقال أيضا أن هناك ملكاً يرشد الروح حتى يقبر
تكفين الميت :
يكفن الميت بثلاث قطع :
الأولى : المئزر وهو ما يستر بين السرة والركبة
الثانية : القميص وهو ما يستر بين المنكبين ونصف الساق
الثالثة : الإزار ويجب أن يغطى تمام البدن
ومن شروط التكفين : الإباحة فلا يجوز التكفين بالمغصوب والطهارة وان لا يكون من الحرير الخالص ولا يكون مما لا يؤكل لحمه أو من جلد مما يؤكل لحمه
ومن آداب التكفين :
جعل العمامة للرجل وجعل المقنعة للمرأة وأن يكتب الشهادتين واسماء الأئمة ودعاء الجوشن الكبير والصغير
والحكمة من التكفين وكما قلنا في المقدمة أن المولود الذي يأتي إلى الدنيا يلف بخرقة مثلما يلف الميت بكفن وهو ينتقل إلى عالم البرزخ والسر أن الإنسان يأتي عرياناً أي ليس له شيء ولا يملك شيئاً وأن الله عز وجل يتفضل وينعم عليه حتى لا يتكبر ، وإذا غادر الدنيا فهو يغادرها عرياناً أي أنه لا يأخذ شيئاً من حطام الدنيا سوى عمله فلماذا الانكباب على زخارف الدنيا وهي تنتقل إلى غيره ؟ ومن فلسفة العري أن الله تعالى يستر على عبده الذي فضحته ذنوبه فيرحمه عند مغادرة الدنيا ، وليتذكر هذا العبد أن الذنوب تحط من قدر ومنزلته وتجعله هيناً في نظر الناس فلماذا يذنب ؟
وهذا آدم –ع- عندما عصى انكشفت عورة ذنبه وعصيانه لربه يقول تعالى : "فدلهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سؤاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما أن الشيطان لكما عدو مبين " ( الأعراف / 22) ويبين تعالى ان أفضل اللباس هو لباس التقوى ( الأعراف /26 ) وهذا يدل على ان النذوب تكشف عيوب الإنسان وان التقوى والطاعة من مكفرات هذه العيوب
تحنيط الميت :
والتحنيط عبارة عن مسح مساجد الميت السبعة ( الجبهة وباطن الكفين والركبين وأبهامي الرجلين ) بالكافور والحكمة من ذلك أن تحنيط هذه المواضع عبارة عن تطهيرها وتزكيتها ولتشهد انها أعضاء طالما لا مست التراب وهي في العبادة ولتشهد النفس بالذل ثم أنها أفضل الأعضاء في جسم الإنسان وتقول الأرض لهوام الأرض الموكولة بتحلل الجسم : إن هذه الأعضاء لها ميزة خاصة فلا تمسوها ، وقد لا ندرك قيمة هذه الأعضاء إلا بعد الانتقال إلى عالم البرزخ ثم إلى عالم القيامة
الصلاة على الميت :
النية ووجود الميت واستقبال المصلي القبلة وأن يكون الميت إلى جهة يمين المصلي ورجلاه إلى جهة يساره وأن يكون الميت مستلقياً على قفاه وان يقف المصلي خلف الميت ولا يكون بين المصلي والميت حائل ( حاجز ) وأن يكون المصلي قائماً والموالاة بين التكبيرات والأدعية في الصلاة وأن الصلاة تكون بعد الغسل والتحنيط والتكفين وقبل الدفن وأن يكون الميت مستور العورة وأن يستأذن من ولي الميت بالصلاة عليه
التشييع :
هو حمل الميت أو الجنازة إلى مثواه الأخير ، وجاء استحباب إخبار المؤمنين بموت المسلم لتشييعه ، وجاء في فضله روايات :
عن نبي الإسلام (ص) من شيع جنازة له بكل خطوة حتى يرجع مائة ألف ألف حسنة ويمحى عنه مائة ألف ألف سيئة ويرفع له مائة ألف ألف درجة
التلقين :
وهو إتقان الميت بالشهادتين وأصول الدين ويجب التلقين باللغة العربية وهذا يدل على إحاطة الميت باللغات الأخرى وبالذات العربية لمن لم تكن لغته الأم العربية
الدفن :
وهو المرحلة الأخيرة لمشاهدة الأحياء الميت قبل دفنه ثم يختفي عن أنظارهم بدفنه تحت التراب وتكمن فلسفة دفن الميت في أمور : منها يؤمن على جسد الميت من السبع وغيرها ، عدم إيذاء الأحياء برائحته ، لأن الإنسان كله عيوب وكما قيل أن الإنسان أصله نطفة ونهايته جيفة فيجب عليه أن يعرف مبدأه ومعاده وكما أن الجيفة تصدر منها الروائح النتنة ويتأذى الأحياء من هذه الروائح وقد تنتشر الأمراض بينهم
التعزية :
من المستحبات المؤكدة تعزية أهل الميت وتسليتهم ، وتوجد روايات عند الفريقين بهذا الخصوص فعن رسول الله (ص) :" ما من مؤمن يعزى أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة " ، وعنه أيضا :" من عزى مصاباً فله مثل أجره
وكان فيما ناجى موسى ربه أنه قال : يارب ما لمن عزى الثكلى قال : أظله في ظل يوم لا ظل إلا ظلي )
الفصل الثاني : عالم القبر

مقدمة :
ارتبط الإنسان بأمه وأصله وهو الأرض وله علاقة بها فهو يترعرع فيها ويقوم بالأنشطة المختلفة عليها ويأخذ غذاءه منها ويبني مسكنه عليها ، ويأخذ الثروات الطبيعية منها كمقومات لصناعاته ، وارتباط الإنسان بالأرض لها دلالة بطبيعته المادية وبعنصره الترابي إلى درجة بعض يسرف في هذا الارتباط إلى درجة الانكباب والركون إلى الدنيا ونسيان الآخرة
بعد الموت يرجع بدن الإنسان إلى الأرض وإلى التراب فعرف الإنسان القبر كمأوى لإيواء بدنه ، والتاريخ يحدثنا على أن الإنسان عرف كيف يدفن موتاه بالفطرة " ثم اماته فأقبره " ( عبس/ 21 )
لا ينقطع الإنسان بعد موته عن قبره ، وكثيراً ما نسمع أن الميت قد رجع إلى الدنيا ورجع إلى قبره وهناك من أمر بترميم قبره ، صحيح أن البدن المادي يندثر ويفنى ولكن الأصح ألا يهمل قبر الميت باعتبار وبحجة ان الإنسان بروحه ، لذا جاء حث الشارع المقدس بالاهتمام بالقبر ليعيد الإنسان حساباته بأنه فان وبانه لا بد ان يترك الدنيا شاء أم أبى ، ومن مظاهر اهتمام الشارع المقدس بالقبر التأكيد على زيارة القبور ، فقد جاء في الأثر ان الرسول الأكرم (ص) كان يكثر من زيارة " البقيع " فهو من جهة يريد أن يهتم المسلمون بزيارة القبور ومن جهة أخرى ينبه على دنو أجله ، كان قبره (ص) مأوى الصالحين من أهل بيته وملجأ المؤمنين فيتزودوا بهذا القبر الشريف كل معاني الأخلاق والرحمة والشفاعة والمحبة
إن القبر أول منازل الآخرة لما يلقيه الميت من أهوال بعد انتقاله إلى عالم البرزخ ، هناك وحشة القبر وهناك المساءلة في القبر وهناك ضغطة وهناك تجسيم الأعمال كل ذلك سوف يأتي تباعاً في الصفحات المقبلة
ارتباط الميت بعالم الدنيا وبأهله يقل كلما تكامل في عالم البرزخ وكلما انتقل إلى المستويات العليا هناك فهو في شغل وتكامل فلا يعود كما سيأتي في الفصل القادم
وقد يعرف بعض عالم القبر بعالم البرزخ لكن في هذا البحث المتواضع نحاول ان نبين بعض الملامح لهذين العالمين للفرق بينهما ، أهم ما يقال أن عالم القبر عالم يرتبط بعالم الدنيا لكن مدته قصيرة وعذابه مؤقت
مفهوم القبر :
قيل القبر هو تلك الحفرة الضيقة التي لا أنيس بها ولا جليس وقيل هو ذلك المكان الذي يضم بين جوانبه الجثث الهامدة التي لا حراك لها وقيل هو بيت الهوام والديدان ، وقيل هو موطن العظماء والحقراء والحكماء والفقراء والحلماء والسفهاء وقيل هو مكان لمحكمة السؤال والمناقشة والاختبار والمراجعة ، وقيل هو إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار
القبر عبارة عن حفرة تحفر في الأرض لوضع الميت فيها وقد يعمل له لحد وهو عبارة عن شق في جانب من القبر في جهة القبلة لوضع الميت فيه ، والقبر ساتر لبدن الميت والذي يعتبر كله عيوب فمن جهة تصدر منه الروائح الكريهة بعد تعفن الجسد ومن جهة ينحل ويتحلل هذا الجسد ومن جهة يرجع البدن إلى أصله وهو التراب .
وللقبر مرادفات متعددة استخدمت في كل زمان ومكان حسب وعي الإنسان وفكره وعقيدته ، من هذه المرادفات : الجدث والجدف والرمس والريم والشق والحفير والضريح والرجم والجنن والمنهال
ويقول أهل العرفان القبر نوعان : القبور الترابية وهي أوعية الأجسام الميتة وحفرها ، والقبور المتماثلة وهي أفراد الإنسان الذي هو نوع واحد
توجد علاقة بين قيام الساعة وبعث الموتى من القبور ، وهي علاقة ترابطية بمعنى عندما تقوم الساعة أي القيامة يخرج الموتى من قبورهم وهذا يفند رأي الكفار الذين ينكرون البعث وإحياء الموتى ( الحج /7 والانفطار /4 ) ويبين الله تعالى رأي الكفار بأهل القبور القائل الموت هو عدم وفناء ، ويبين تعالى أن هناك فرقاً بين الأحياء والأموات ، وان الحياة والموت ليس هو عدم من الناحية الظاهرية ولا من الناحية الباطنية أي أن الميت بروحه حي ، ولو أن قلبه ميت وهو يعيش بين الناس ، والقلب هنا الحالة الإيمانية ، وقد يكون القبر عبارة عن نقطة او بؤرة لتركيز الفكر حيث أن هذا العامل مهم لدى الموتى ، حيث يركز فكره بالأحياء الذين يزورونه
تاريخ القبور :
المتتبع لتاريخ الإنسان قديماً وحديثاً يرى ان الناس اهتموا بالإنسان حياً وميتاً ، اهتم الإنسان الأول بميته أكثر من اهتمامه بنفسه ، حيث بنى المباني الضخمة ( المعايد )
فبقيت على مر الزمان بينما اندثرت الوحدات او البيوت السكنية ، وهذا يعني انه يفكر هذا الإنسان بالحياة بعد الموت ، ويقال ان الإنسان الأول بنى القبور قبل ان يسكن القرى ووضع مع الميت أدواته الخاصة ووضع الميت على الجانب الأيمن ولف بالحصير او جلود الحيوان
المعبد عبارة عن مكان عبادة وإجراء طقوس الدفن للموتى ونتيجة لزيادة نفوذ الكهنة في الأسرة المصرية الرابعة أعفوا بعض المعابد من الضريبة ، وظهرت مجموعة من التعاويذ السحرية والرقى لأناس عاديين كما في نهاية الأسرة السادسة ونهاية الأسرة الثامنة عشر وبعد ان كانت هذه التعاويذ خاصة لعائلة الملك ، وتهدف هذه التعاويذ والتعاليم إلى حماية الموتى من مخاطر عالم ما بعد الموت
وجدت في المقابر صور عليها خريطة لعالم الآخرة لإرشاد الموتى ، في كتاب " السبيلين " جاء فيه " ويسلك المتوفي طريقين فالأول على الماء والثاني على اليابس وبينهما نار مشتعلة وعلى الميت أن يسير دون ان يلتفت يمنة او يسرة ، وفي الطريقين توجد اهوال كثيرة من مخلوقات مخيفة تواجه من لم يتحصن
ب " رقية " وعلى الميت أن يتلو الرقية حتى يهيأ الحراس له طريقاً نحو جنات
" أوزوريس " عند ذلك تنعم روحه التي ترافق الشمس في رحلتها إلى شرق الدنيا ومنها إلى غربها ، ثم تأوي الروح إلى العالم السفلي كل مساء
اهتم الإسلام بالقبر كمعلم من معالم الآخرة وكما قيل القبر أول منازل الآخرة ، منذ بدء تاريخ بني آدم حكى القرآن ان الإنسان عرف أن يقبر ميته عن طريق غراب وقد مر ذلك سابقاً ، يقول تعالى :" فبعث الله غراباً يبحث في الأض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي ، فأصبح من النادمين " ( المائدة/31 )
اتخذ المسلمون مكاناً لدفن موتاهم وهو ما يعرف بالمقبرة ، بينما أهل الكتاب اتخذوا مقبرة خاصة بهم وهم يعيشون في كنف وظل دولة الإسلام ، وقد يكون ذلك أن الأرواح تجتمع في مكان حسب عقيدتها وتصوراتها عن الحياة وما بعدها
دفن المسلمون موتاهم في البقيع ، وكان نبي الإسلام (ص) يزور البقيع ويكلم الموتى ويدعو لهم وذلك ليعظ المسلمين وليذكرهم بالآخرة وعالم ما بعد الموت ، ويقال أنه إذا اشتد عليه الحزن والغم ذهب إلى مقبرة البقيع فكانت سنته جارية وإلى الآن
زار النبي (ص) قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ( نقلاً عن صحيح مسلم في جواز البكاء على قبر الميت )
لما دفن عثمان بن مظعون دعا رسول الله (ص) بحجر فوضعه عند رأس القبر وقال يكون علماً ليدفن إليه قرابتي ، وجاء في مورد آخر من البحار : فوضعها أي الصخرة عند رأسه وقال : اعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي
روي عن النبي (ص) انه عندما حضرته الوفاة قال لعلي يا علي ادفني في هذا المكان وارفع قبري من الأرض أربع أصابع ورش عليه الماء ، وفي رواية " أدفني في البقعة التي أقبض فيها
اجمع علماء المسلمين إلا من شذ منهم على زيارة سيد الخلق محمد (ص) وذكر تقي الدين السبكي المتوفي 766هج على استحباب زيارة سيد الأنام في كتابه " شفاء السقام في زيارة سيد الأنام "
مساءلة القبر :
تعد هذه المساءلة أول مرحلة يمر بها الميت في القبر، تقول الروايات إن أشد ساعة على الميت الليلة الأولى بعد دفنه ، ذلك أن الميت ينتقل إلى عالم جديد لا يستطيع أن يستوعبه أو يدركه أو يتعامل معه لأول وهلة وصعوبة ذلك على الميت أنه يسأل عن أشياء من قبل ملكين ما يدخل الرعبة والهيبة في قلبه خاصة بالنسبة للميت العاصي وقد لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة على الرغم من سهولة الإجابة
اتفق أهل الجمهور والعامة على أن الميت يسأل عن ربه وعن دينه وعن نبيه عن أبي هريرة " إذا قبر الميت فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول ما كان يقول هو عبدالله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وان محمداً عبده ورسوله
من هما المنكر والنكير ؟
إنهما من الملائكة الموكلين بسؤال الميت بعد دفنه ، وإليك بعض أحوالهما في هذه الروايات :
" إذا قبر أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لهما المنكر والآخر النكير..........إلى أن يقول
ويدفنونك فإذا انصرفوا عنك اتاك فتانا القبر منكر ونكير أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف "
" انه ( أي الميت ) الآن يسمع خفق نعالكم أتاه منكر ونكير أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صيصي البقر وأصواتهما مثل الرعد "
حكمة المساءلة في القبر :
إن هذه المساءلة تبين موقف الإنسان من ربه ودينه وعن عقائده ، وبشكل عام المؤمن الحق يوافق باطنه ظاهره مما اعتقده من الاعتقادات وعكس ذك المنافق الذي يظهر ما لايبطن لذلك موقف المنافق صعب جداً لأنه لا يستطيع الإجابة عن أسئلة الملكين ، يقول أحد العلماء ان الناس قد أجابوا عن سؤال " ألست بربكم " في عالم الذر بكلمة " بلى " وقد نكث بعض منهم العقد لأن ذلك كان باللسان فقط
وفي هذه المساءلة يرى بعض من الموتى مصيره في عالم البرزخ خاصة المؤمن أو المنافق ، لذا قيل أن القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران ويقال للمؤمن نم نومة العروس ويوسع في قبره مد البصر ويحس بالراحة أو اللذة بعد أن وفق بالإجابة ، عكس الكافر والمنافق وهو يرى سوء عاقبته
ضغطة القبر :
معنى ضغطة القبر هو التقاء حافتي القبر على جسد الميت ويكون بعد المساءلة
يختلف الضم أو الضغط باختلاف نوع العمل فإذا كان العمل صالحاً كان الضم خفيفاً على صاحبه وإذا كان العمل غير صالح كان الضم شديداً عليه ولا يستثنى من الضمة إلا الأنبياء والأولياء
وجاء معنى آخر لضغطة القبر وهو أن الميت بعد ان يرى الناس قد دفنوا جسده وغادروا القبر يريد العودة إلى جسمه المادي لتعلقه الشديد به إلا أنه لا يستطيع الحركة والتنفس وهو في الكفن ويحس بضغط التراب واللحد ، طبعاً يتوهم أنه دخل في جسده
عذاب القبر :
يواجه العاصي من البشر العذاب في عالم القبر وقد يكون هذا العذاب دائماً ويستمر في عالم البرزخ وإلى يوم يبعث الناس لأناس معينين لكن الغالبية من الناس يواجهون هذا العذاب على فترات بين القلة والكثرة وبعدها يعيش في راحة
تجسيم الأعمال في القبر :
في روايات العامة والخاصة تتجسد العبادات في القبر ، ففي رواية أبي هريرة عن النبي (ص) أنه قال : أن الميت إذا وضع في قبره فأنه يسمع خفق نعالهم ( أي الناس ) حين يولون مدبرين فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه وكان الصيام عند يمينه وكانت الزكاة عند شماله وكان كل فعل الخيرات من الصدقة والإحسان إلى الناس عند رجليه فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة : ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام ... فيقال له اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس وقد أذنت للغروب
ينقل عن الطبراني في الأوسط في ذكر حال الكافر : وأما الكافر فيؤتى في قبره من قبل رأسه فلا يوجد شيء فيؤتى من قبل رجليه فلا يوجد شيء فيجلس مرعوباً فيقال له : ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم وما تشهد به فلا يهتدي لاسمه ... فيضيق عليه القبر حتى تختلف أضلاعه ، فيقال له : افتحوا له باباً إلى الجنة فيفتح له باب إلى الجنة فيقال له : هذا منزلك وما أعد الله لك لو كنت أطعته فيزداد حسرة وثبوراً ثم يقال له : افتحوا له باباً إلى النار فيفتح له باب إليها فيقال له : هذا منزلك وما أعد الله لك يزداد حسرة وثبوراً
وفي رواية عن الترمذي عن القبر وأحواله وكيف تكون حال المؤمن والكافر في القبر ، " وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر : لا مرحباً ولا اهلاً أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري .. إلي فإذا وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك قال : فيلتئم عليه حتى تلتقي عليه وتختلف أضلاعه .. قال ويقيض الله تعالى له سبعين تنيناً لو أن واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئاً ما بقيت الدنيا فينهشنه وتخدشنه حتى يقضي به الحساب
وعن احمد وأبي داود رواية ملخصها : فيضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويمثل له عمله في صورة رجل قبيح الوجه منتن الريح قبيح الثياب فيقول : ابشر بعذاب الله وسخطه فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا عملك الخبيث فوالله ما علمتك إلا بطيئاً في طاعة الله سريعاً إلى المعصية قال فيقيض الله له أصم وأبكم ومعه مرزية لو ضرب بها جبل لصار تراباً فيضربه ضربة فيسمعها الخلائق إلا الثقلين ثم يقال : افرشوا له لوحين من نار وافتحوا له باباً إلى النار
أعاذنا الله من هذا العذاب ومن مظاهره وأن يهدينا إلى الحق المبين .

الفصل الثالث : عالم البرزخ

مقدمة :

عالم البرزخ عالم مرتبط بالدنيا أشد الارتباط ، فالإنسان الميت كثيراً ما لا يحس بأنه قد غادر الدنيا بسبب طبيعة بدنه وتصوراته وانكبابه على الدنيا ؛ لذلك هناك من لا يعرف أنه توفى إلا بعد أيام وهناك من لا يعرف إلا بعد مرور ألف سنة .
عالم البرزخ عبارة عن كرات مثل الكرة الأرضية ، فما تجده في الأرض تجدها هناك لكن مع تبدل الكثافة وطبيعة الأشياء ، وأما الصورة فهي هي .
يرى الإنسان نفس المناظر الطبيعية التي يراها على الأرض من جبال وبحار ووديان ... الخ .
كذلك يرى أصدقاءه الذين غادروا الدنيا ويأتي هؤلاء لاستقباله وتعريفه بالعالم الجديد .
جاء في البحار : الدنيا ظل لعالم البرزخ ، ما هو فوق تجد صورة له تحت .
ينقل د. محمود قاسم آراء الغزالي عن النفس والروح بالقول : فالنفس لديه هي ذلك الجوهر الذي يجمع بين العالمين وهي عالم العقل أي العالم الإلهي وعالم الحس ( المادي ) .
ويعتبر الغزالي عالم الحس ظل وخيال للعالم الأول .. لا يوجد شيء في العالم الأول إلا وهو مثال لشيء من ذلك العالم .
معنى البرزخ :
1- عند الجغرافيين : البرزخ عبارة عن قطعة من الأرض ضيقة محصورة بين بحرين واصلة بين برين في الغالب يكون واصلاً بين شبه الجزيرة والقارة .
2- معنى البرزخ اصطلاحاً :
هو العالم بين الدنيا والآخرة أو هو عالم القبر كما في كثير من الروايات ، وقد مرت هذه الرواية عن معنى البرزخ عندما سئل الإمام الصادق عليه السلام ... فقال : ولكن أتخوف عليكم البرزخ . قيل : وما البرزخ ؟ قال : منذ موته إلى يوم القيامة .
هذا وقد وردت كلمة برزخ في القرآن ثلاث مرات : مرتان بمعنى أن البرزخ هو حد فاصل بين الماء العذب والماء المالح كما في :
{ وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً } ( الفرقان : 53 .)
{ مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان } ( الرحمن / 19-20 )
ومرة بمعنى عالم بعد الموت كما في قوله تعالى : { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمال صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } ( المؤمنون : 99-100 )
يسأل سائل : لماذا التركيز على عالمي الدنيا والقيامة في القرآن وعدم ذكر عالم البرزخ إلا قليلاً ؟
الجواب : إن عالم االبرزخ هو امتداد لعالم الدنيا ، ما يجده في الدنيا يجده في البرزخ ؛ لذلك البعض يموت دون أن يعرف أنه قد مات .
كذلك عالم البرزخ هو عالم وسط بين الدنيا والآخرة والإنسان يصبغ نفسه بصبغة الدنيا لأنه جاء منها ويذهب بعد ذلك إلى الآخرة بعد أن استعد لها سواء في الدنيا أو البرزخ بعد التكامل الذي يستمر مع الإنسان في هذه العوالم .
العوالم والنشآت :
العوالم مرتبطة بطبيعة الجسم الإنساني والذي يقسمه العلماء وأهل العرفان إلى عدة أنواع ، لكن العلماء بشكل عام يقولون إن الإنسان يعيش في ثلاثة عوالم : الدنيا ( الحس ) والبرزخ ( المثال ) والعقل ( الآخرة ) .
جاء في كتاب حدائق الإنس لإبراهيم الزنجاني :
إن العوالم ثلاثة :
عالم الطبيعة : الذي يعيش فيه الإنسان ، والإنسان موجود فيه ، وهذا العالم عبارة عن صورة مادية تجري على نظام الحركة والسكون والتبدل .
عالم المثال : وهو فوق عالم الطبيعة وجوداً وفيه صور الأشياء بلا مادة ومنها تنزل هذه الحوادث الطبيعية وإليها تعود ، وفيه صور أشياء بلا مادة لحوادث عالم الطبيعة .
عالم العقل : وهو فوق عالم المثال وجوداً وفيه حقائق الأشياء وكلياتها من غير مادة طبيعية ولا صورة له وله نسبة السببية لما في عالم المثال .
وجاء في كتاب ( الخلود في التراث الثقافي المصري ) عن عوالم بعد الموت ، يقول المؤلف : الكتب التي تساعد الموتى على رحلاتهم بعد الموت وتساعد على سياحتهم في العالم السفلي :
كتاب الموتى .
كتاب ما في عالم الآخرة .
كتاب البوابات أي البوابات التي تفصل أقاليم عالم الآخرة الواحد عن الآخر .
كتاب الليل وهو كتاب الأقاليم التي تقابل الليل الإثني عشرة .
كتاب الكهوف ، أي كهوف الآخرة التي كان على المتوفى أن يجتازها في الآخرة .
كتاب ما في عالم الآخرة وهو يقسم العالم السفلي إلى 12 إقليماً وعلى رأسها إله ولها عاصمة مسكونة بالآلهة والجن والأرواح الموتى ويجري فيها نهر عظيم طبق الأصل من نهر النيل
وفي نفس المصدر السابق ينقل المؤلف رأي ابن القيم في أن للأنفس أربعة أدوار أي أربعة عوالم :
في بطن الأم في ظلمات ثلاث .
الدار التي نشأت فيها وألفتها واكتسبت فيها الخير والشر .
دار البرزخ وهي أوسع من دار الدنيا .
دار القرار وهي الجنة أو النار فلا دار بعدها .
مستويات وطبقات البرزخ :
يتألف الكون من مجالات اهتزازية كثيرة ولكن أين تبدأ هذه الاهتزازات وأين تنتهي ؟ لا نعلم ذلك .
وسكان الأرض يؤثر فيهم مجال الاهتزازات الفيزيقية وتوجد اهتزازات أبطً داخل المجال الأرضي لا يحس بها سكانها .
بعد الموت تبدأ الاهتزازات في زيادة سرعتها ويبدأ الجسم الأثيري الذي انفصل عن الجسم المادي في الانتقال إلى مجالات أعلى إلى أن يصل إلى العالم الذي يحيا فيه وذلك عن طريق الفكر والرغبة .
في المجالات الأعلى عندما ينتقل الإنسان إلى مستوى أعلى فإنه يموت بالمفهوم المادي لا يترك جسماً كما في الموتة الأرضية الأولى ، ويستطيع الميت أن يعود إلى الأرض كلما أراد ذلك .
وحياة الفرد في عملية تطورية مستمرة في هذا الكون ( العالم الأكبر ) أي أنه ينتقل من مجال إلى مجال أعلى عن طريق الفكر الذي يؤثر في الاهتزاز إلى أن يصل إلى الخالق المبدع سبحانه وتعالى { إنا لله وإنا إليه راجعون } .
والعوالم والمستويات التي تمثل عالم البرزخ تتحرك مع الأرض وتكون جزءاً من فلكها :
المستوى الأول عبارة عن محطة تصفية وينتظر أعضاء الأسرة فيه ذوي أقاربهم إلى المستوى الثاني وهناك أرواح لا تصل إلى المستوى الأول بل تلازم الأرض فترة قد تطول وهناك أماكن للأطفال لتربيتهم وهناك مصحات للوافدين .
ينقل أحد المؤلفين رأي الصوفيين عن مستويات التي يتكون فيها البرزخ حيث يعتبرون المستوى الأول مكوناً من مستويات أصغر ربما سبعة مستويات وفي كل مستوى توجد أرواح ذات الدرجة الواحدة من الرقي ، ويعتبرون المستوى الأول أقرب شبهاً للأرض .
هناك مستويات بالمعنى الثاني وهي :
مستوى الجحيم أو الحياة البائسة .
مستوى الرغبات .
الأرض السعيدة ( السمر لاند ) والذي يتحدث عنه الروحيون وتذهب إليه الأرواح الراقية من سكان الأرض .
مستوى العقل .
مستوى التجريد .
مستوى تقابل الجنسين .
مستوى الاتحاد بين الجنسين وفيه تختفي الخصائص المميزة لكل من الجنسين ويقول بعض الأرواح أنه بعد هذه المستويات توجد السموات العليا غير المحدودة التي تمثل ذروة المجد والنعيم .
نقلاً عن روح فردريك د.هـ مايرز ( عالم نفس ) فقد ذكرت الوسيطة جيرالدين كاميز رأيه في مؤلفها " الطريق إلى الخلود " : ان رحلة النفس ( الإنسان ) تتطور خلال سبع مراحل :

الرحلة المستوى
الأولى مستوى المادة
الثانية حالة انتقالية
الثالثة مستوى الخداع
الرابعة مستوى اللون
الخامسة مستوى الشعلة
السادسة مستوى الضوء
السابعة حالة انعدام الوقت

مستوى المادة يتكون عن تجارب سواء على الأرض أو في كواكب أخرى .
مستوى الحالة الانتقالية فهو عبارة عن حياة برزخية تفصل بين كل مستوى وآخر من مستويات الوجود السبعة.
مستوى الخداع أو الوهم فتشير إليه فترة الأحلام المرتبطة بالحياة على مستوى المادة .
مستوى اللون هو المستوى الذي لا يكون الوجود فيه محكوماً بالحواس بل بالعقل رأساً ومع ذلك يظل الوجود محتفظاً بشكله ومادته بعد أن تصبح المادة أرق كثيراً من ذي قبل حتى ليصبح وصفها بأنها عبارة عن هواء و بخار المادة ويقع هذا المستوى ضمن نطاق الإقليم الأرض .
الشعلة الخالصة وتصبح الروح منتبهة إلى حقيقة الدور المشرق الذي تقوم به في تناسق الأبدية وشاعرة بكل الحياة الشعورية التي تحياها .
مستوى الضوء الخالص هو الذي فيه تحصل الروح على الإدراك الواعي لكل وجود سابق لها إلى أن تحصل فيما بعد على الإحساس بكل مشاعر الحياة داخل كيان العالم الأرضي وروحه .
المستوى السابع تندمج الروح بكل عناصرها المتعددة وتمتزج بالعقل الأعظم أو التخيل الإلهي حيث الإدراك العام الذي يطوي الأكوان المتعددة الواحد بعد الآخر ومراتب الوجود المختلفة والماضي والحاضر والمستقبل ، هناك كل شيء خالد وكل وعي كامل .
وتطلق الفلسفة الثيوصوفية على كل مستوى من المستويات السبعة إسماً خاصاً :
المستوى الأرضي يمثل العالم الفيزيقي ( الأرض ) .
العالم الكوكبي .
العالم العقلي .
عالم الإلهام .
العالم الروحي .
عالم الجوهر أو الفرد الحي .
العالم الأعلى ( العالم الإلهي ) .
وهناك المستوى الرابع الذي يمتاز ببعض المزايا منها موسيقى الأجواء التي تعزفها الطبيعة وهي تحدث من تحركات النجوم والكواكب كما تحدث من اهتزاز أثير الفضاء الذي تتكون منه الأجرام الكونية والذي يهتز في نغم رائع متناسق وتوجد أنغام تعزف على الآلات المألوفة في المستوى الثالث ، ومن المزايا أيضاً إشباع الرغبة الجنسية عن طريق اتحاد العقل والإرادة وهو منعزل عن الجنس .
كذلك تختلف شخصية الإنسان وشكله نتيجة اهتزازات هذا المستوى .
وأخيراً يصل المؤلف إلى رأي مفاده أن الجنس ليس كمفهوم أرضي ويوجد في المستويات الأولى إلى الرابع فقط ، وبعدها يختفي الجنس ومفهومه .

الجسد الأثيري :
الإنسان بشكل عام يجهل طبيعة جسمه ويجهل أن هناك جسماً غير مادي وهو جسم مثالي أو برزخي أو كوكبي وهو الذي ينتقل به إلى عالم ما بعد الموت وبهذا الجسم المثالي ينشط الإنسان ويتحرك إذا نام وحلم وهذا الجسم يختلف عن الجسم المادي حيث أنه ألطف ويخترق الحواجز المادية ، ويصل بينه وبين الجسم المادي بحبل من ضوء يسمى الحبل السري الروحي وبانقطاعه يحدث الموت .
وهذا الجسم غير مادي ولكنه مادي على المستوى غير المادي ويحمل شعلة العقل والروح وليس هو الروح كما يدعي البعض . ويوجد هذا الجسم الأثيري أيضاً في الحيوان والنبات .
وهذا الجسم موجود مع لحظة الحمل ويبدأ يجمع حوله المادة الفيزيقية ( الجسم المادي ) فتبطؤ اهتزازاته لذا الجسم االمادي غلاف للجسم الأثيري ، وتتم عملية الحمل وتكوين الجنين خلال الظلام ( سورة الزمر / 6 ) .
وهذا الجسد اللامادي هو صلة الوصل بين الروح الناطقة الواهبة للحياة وبين الجسد المادي ، ويصف سير أوليفر لودج هذا الجسد الأثيري بأنه وسيط التصال بالأثير والحياة الأخرى وبالله .
إذا انقطع هذا الحبل السري يعود الجسم المادي إلى الأرض وأما الجسم الأثيري الحامل العقل والروح يعود إلى الوسط الذي جاء منه وقد يبقى الجسم الأثيري فترة تطول أو تقصر في نفس المكان الذي تحدث الوفاة ولكن الروح لا تستجيب لاهتزازات فيزيقية ( أرضية ) وإنما تستجيب لاهتزازات أعلى وبالتالي العقل أيضاً يستجيب لهذه الاهتزازات فيعرف الإنسان أنه قد انتقل إلى عالم آخر .
الجسم الأثيري غير قابل للبتر أو للفساد وهو لا يهرم ذلك أن الروح والعقل خالدان لا يفنيان وبهما يحس المتوفى عالمه الجديد ويتعامل معه ونفس أعضاء الحس التي كان يحس ويتعامل بها في عالم الدنيا ولكن في إطار الجسد الأثيري والإحساس المادي الذي يحسه الكائن الحي مستمداً من قدرة الإحساس في الجسم الأثيري إذ تنقل هذه القدرة إلى الأعضاء المادية عن طريق الجسد الأثيري للإنسان حاسة روحية توصف أنها حاسة سادسة ولها قدرات متعددة وتتم خلال أدوات الإحساس المادية أو عن طريق غيرها فيرى صاحبها بالعين الأثيرية إن صح التعبير .
مع مضي الوقت يستطيع العقل في البرزخ أن يسيطر على الجسم الأثيري ولكن بالنسبة للصالحين إذ بالفكر يكون إزالة جميع العاهات الجسمية ، لذلك المؤمن يعيش في نعيم دائم لأنه يسيطر على عقله نتيجة أعماله الصالحة عكس غيره الذي لا يستطيع أن يتصرف بالفكر ( العقل ) كما في الدنيا كما أنه قد يعاني من الهم والغم وغيرهما من ألوان العذاب النفسي نتيجة الأمراض الجسمية والنفسية والقلبية التي تصاحب الجسم الأثيري في البرزخ .

جاء في الصحاح والسنن أنه جرى حوار بين النبي صلى الله عليه وآله وشاب تائب على النحو التالي : ( بعد مجيئه إلى النبي صلى الله عليه وآله ملتمساً المغفرة والتوبة من ذنبه العظيم ) قال النبي صلى الله عليه وآله : يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل الأرضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق . قال الشاب : إنها أعظم من الأرضين السبع .
فقال صلى الله عليه وآله : يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل السموات ونجومها ومثل العرش والكرسي ... .
فيفهم من الحديث أن الأرضين السبع عالم قائم بذاته وأنه يشبه أرضنا الدنيا وفيها أناس فلابد أن يكون هذا العالم هو عالم البرزخ أعد للذين يغادرون الدنيا بعد الموت وهذا ينطبق أيضاً على السموات السبع على اعتبار أن لكل أرضاً سماء كما أن لأرضنا الدنيا سماء وهي السماء الدنيا ولذا يجرنا الحديث إلى القول أن السماء الدنيا خارجة عن نظام عالم البرزخ بمعنى أنها تخص أرضنا المشهودة وأن هذه السماء يجري عليها ما يجري على أرضنا من قوانين ولكن أخطأ بعض المفسرين في جعل السماء الدنيا السماء الأولى .
هناك ملاحظة جديرة بالبيان وهي أن بعض أرواح الموتى لا تنتقل إلى عالم البرزخ مباشرة وقد تعيش فترة بين أرضنا وسمائنا الدنيا سواء أكان الموت مفاجئة لها حيث لم تدرك حقيقة الموت أو أن بعضها انتحرت فلابد من قضاء السنين المقدرة لها للعيش في الدنيا . ويقال إن قوماً غادروا الدنيا من ألف سنة أو يزيد قبل أن يبدأوا يدركون وسطهم الجديد أي عالم البرزخ بسبب انخفاض نموهم ورقيهم العقلي والإيماني .

الشكل ( 1)
عرش الرحمن
السماء السابعة
الأرض السابعة
السماء السادسة
الأرض السادسة
السماء الخامسة
الأرض الخامسة
السماء الرابعة
الأرض الرابعة
السماء الثالثة
الأرض الثالثة
السماء الثانية
الأرض الثانية
السماء الأولى
الأرض الأولى
السماء الدنيا
الأرض الدنيا

أحوال عالم البرزخ
قد تتشابه أحوال عالم البرزخ بمثيلها أحوال عالم الدنيا ذلك أن عالم الدنيا امتداد لعالم البرزخ . الدنيا ظل لعالم البرزخ ما هو فوق تجد صورة له تحت
أولاً : الحالة الإيمانية :
يقول تعالى : { ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً في جهنم أولئك هم الخاسرون } ( الأنفال / 37 )
هناك قانون وسنة إلهية وهي تمييز الخبيث من الطيب باعتبار أن الأنسان إما أن يكون طيباً ويتبع أوامر الله تعالى وإما أن يكون خبيثاً يتبع أهواءه .
وهذه السنة لا تأتي اعتباطاً أو صدفة وإنما من خلال تجارب وابتلاءات في عوالم الوجود الإنساني الذي يعيش فيها .
وهذه السنة تدل على حالة التطور الإنساني سواء الطيب منه أو الخبيث فالطيب يتطور سواء في الدنيا أو قبلها فهو في عالم الذر أجاب بلى قلباً ولساناً أي اتخذا الله رباً وإلهاً واستمر في مسيره إلى أن جاء إلى الدننيا حيث كمل إيمانه وواصل المسير بعد الموت في عالم البرزخ ثم بعد ذلك في عالم القيامة والبعث .
كذلك الخبيث لم يكن خبيثاً في الدنيا وإنما مر بتجارب وابتلاءات ولما جاء إلى الدنيا ازداد خبثاً وانحرافاً عن جادة الحق لذلك تتراكم ذنوبه من خلال العوالم التي يعيشها .
وهذا يجرنا إلى الحديث عن أن للإنسان طاقات هائلة قد يستغلها في الخير وقد يستغلها في الشر { فألهمها فجورها وتقواها } ( الشمس / 8 )
وكل عالم أو حالة التي يعيشها الفرد تمتاز بطاقات وعلى الإسان أن يفجر هذه الطاقات فإذا كان في عوالم قبل الدنيا واستطاع أن يفجر هذه الطاقات بكل أبعادها أصبع من المعصومين ومن في مرتبتهم خاصة الطاقات الخيرة وإذا فجر الطاقات الشريرة أصبع من أعوان الشياطين والأبالسة علماً بأنه تعالى يفتح المجال لعباده أن يراجعوا حساباتهم خاصة الإنسان المنحرف والخبيث الذي استغل طاقاته في الانحراف وذلك عن طريق التوبة والمغفرة ... .
وأما الصنف الوسط الذي يقع بين الصنف الطيب والصنف الخبيث فإنه أيضاً يمر بتجارب وابتلاءات إلى ان يصل إلى صنف ( الملهي عنهم ) كما في الروايات وكل ذلك وفق قانون التمايز كما سوف يمر ذلك .
روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( قد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم قريباً من فتنة الدجال .والفتنة هنا بمعنى الابتلاءات في عالم البرزخ .
مد البصر :
كناية عن سعة المكان الذي يحيى به حيث أن الروح تتنقل إلى أي مكان حسب تردد ذبذباتها وقد يكون حسب بصيرته وإدراكه أي كلما كان كامل الإيمان وعارفاً لأمر دينه وموالياً لأولياء الله زادت سعة الإحاطة العلمية لديه وبالتالي يرتفع مقامه ومنزلته .
وقد يكون مد البصر بمعنى المادي أو أنه يرى الأشياء عن بعد كأنه قريب منها لأن العين البرزخية أقوى وأدق في النظر من العين المادية . في هذا المعنى يخاطب أحد المتوفين صديقه أنه بعد الموت كان بصره حاداً إلى درجة أنه يرى أي كوكب في الفضاء كذلك يرى القارات والمحيطات كأنها قريبة منه .
إن مد البصر ومفهومه يختلف من عالم إلى آخر ، ويختلف من شخص إلى شخص ، فعالم البرزخ عالم مستقل عن الدنيا وبالتالي تختلف خصائص أعضاء جسمه في الدنيا وهكذا تختلف في عالم البرزخ ... يقول تعالى : { لقد كنت في غفلة من هذا فبصرك اليوم حديد } ( ق / 22 ) أي أن البصر في يوم القيامة يكون حاداً ونافذاً لا يحجبه شيء .
في الحقيقة البصر يكون حاداً في البرزخ أيضاً ولكن في القيامة يكون أكثر حدة ونفاذاً لاختلاف خصائص أعضاء الإنسان كذلك لاختلاف ظروف عالمي البرزخ والقيامة .
.
الألقاب والكنى :
ما معنى أن الألقاب والمناصب الدنيوية مثل أمير وملك ورئيس ومدير ... لا توجد في عالم البرزخ ؟
الجواب : إن الإنسان يحصل على هذه الألقاب بجهده تارة مثل اسخدام المكر والخديعة أو الذكاء أو حب الظهور والسيطرة ، وتارة بمعاونة الآخرين له مثل عائلته وقبيلته وجنده ، بينما الإنسان في عالم البرزخ فأن بإيمانه وقوة فكره يؤهلانه ليكون ذا مركز ومكانة مرموقة هناك .
ينقل صاحب كتاب ( القيامة والقرآن ) أن أحد الأشخاص رأى السلطان محمود الغزنوي في المنام فقال له : لقد كنت رجلاً صالحاً في الدنيا فماذا فعل بك ؟ فأجاب : إن اللقب والعنوان الذي كنت أحمله في الدنيا زال عني واختفى .
ويحاور مؤلف كتاب ( على حافة العالم الأثيري ) أحد الأرواح عن طريق وسيطة فيقول : لقد لاحظت في محادثاتي الكثيرة مع مختلف الناس أن أولئك الذين كانوا من أهل الرتب على الأرض يهملون ذكرها بتاتاً ولا يذكرون إلا مجرد الإسم واللقب ( العائلة ) جاء الجواب : نعم هذا صحيح فالرتب الأرضية لا معنى لها عندنا وبمجرد أن يصل إلينا حملة هذه الرتب يسقطونها لأنها عديمة المعنى بالنسبة لنا .
إن الألقاب والرتب الاجتماعية إنما من صنع البشر وأن الناس هناك لا يصنعون هذه الرتب وإنما هناك مقاييس تتعلق بتصورات ومعتقدات الفرد ، إن هناك أرواحاً راقية تحاول توجيه الناس نحو الكمال والرقي .
ولكن في عالم الجهالة والأنانية فإن هذه الألقاب تكون وبالاً على الإنسان فهو يريد أن يفرض الرتبة الاجتماعية لنفسه على الغير إلا أنه يفشل فيزداد عذاباً إلى عذابه كما في قصة الملكة الهندية اسمها ( أود – oude ) التي توفيت في فرنسا 1858 ودفنت بها ، دار الحوار بينها وبين الدائرة الروحية المختصة بدراسة الأرواح :
س : هل أنت سعيدة ؟
ج : إني آسفة على الحياة .
س : ماذا كان شعورك نحو مراسم التكريم التي عملت لجثمانك ؟
ج : كانت غير كافية فقد كنت ملكة ولم يركع الجميع أمامي .
س : هل يعطيك المقام الذي كنت تحتلينه على الأرض الحق في مقام أعلى في العالم الذي أنت فيه الآن ؟
ج : إنني ملكة دائماً فلترسلوا عبيداً لخدمتي .. إني لا أعلم لماذا يبدو عليهم الآن عدم الاكتراث .
التكامل الروحي :
التكامل يصاحب الإنسان في العوالم المختلفة وخاصة الروحي منه وأن الإنسان العاصي لا يتكامل وإنما نقول ينحرف أو يزيد في الهبوط إلى أن يصل إلى الدرك الأسفل .
على أي حال يتبادر إلى الذهن أن التكامل الروحي عبارة عن حالة للإنسان المؤمن الواعي والذي ينجح في الابتلاءات فيتكامل أي يزيد إيمانه ومقامه في كل عالم يعيش فيه .
ويحتاج الإنسان إلى معلم ومرشد في التكامل الروحي ليس فقط في الدنيا ولكن في البرزخ أيضاً لذلك الإنسان بحاجة إلى التكامل الروحي حتى يصاحب أولياء الله ويزورهم ويتشرف بلقائهم وهذا بحد ذاته يزيد في درجة تكامله .
إن مجالسة الأولياء يزيد في تكامل الإنسان . إذا نظرنا نظرة مادية فإن المجالسة والمحادثة واللقاء يجعل المتعلم يتزود بالعلم والأخلاق لدى المعلم لكن المجالسة بمنظار برزخي تختلف عن هذا المفهوم ، مهما كان الإنسان ورعاً ومجتهداً في عالم الدنيا فإنه بعد الموت يتكامل لأن الموت عبارة عن تكامل وصعود ، وعكس ذلك بالنسبة للعاصي فهو يتسافل ( الدرك الأسفل )
إذن بعد الموت يتكامل الإنسان أي يتزايد في قوة الإحساس فيتحرر من المحدودية .
الصنف الثالث :
جاءت الروايات والأحاديث في أن الناس بعد الموت ينقسمون إلى ثلاث فئات المؤمن – الكافر – الملهي عنهم .
هناك من يقول وهو دانتي في الكوميديا : هؤلاء هم الذين لم تكن لهم في الدنيا الشجاعة لسلوك الخير والشر فلم يعصوا الله ولم يطيعوه ولم يملوا في الدنيا إلا لمصلحتهم الذاتية فلم يدخلوا الجنة ولم يدخلوا أعماق الجحيم وكانوا في مدخل الجحيم
يقول أحد الموتى لصديقه الحي : إن بعض المستضعفين والجهال الذين سوف تشملهم الشفاعة يوم القيامة ليدخلوا الجنة ، وأما في البرزخ فإنهم يجلسون في سكون وهدوء مثل النائم حتى يوم البعث .
وقد يترك الإنسان في البرزخ يلهى عنه لأنه ينتظر الزاد من الدنيا .
وقد يكون هناك عدة احتمالات لمعنى الملهي عنهم :
أ) إن هذا الصنف لا يخضع لقوانين صارمة كما بالنسبة للكفار بل دون ذلك وعكس المؤمنين ، ونتيجة لابتلاءات قد تشدد عليه هذه القوانين فيدخل ضمن دائرة الكافرين .
ب) أو أن الملهي عنهم إنهم أضاعوا قيمة الوقت ولم يستغلوه في الطاعة أو المعصية فيحس المتوفى بالوقت القاتل ( الفراغ ) .
ج) وهم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم لذا يلهى عنهم أي يترك لهم فرصة في البرزخ إما أن يدخلوا في صنف المؤمنين أو في صنف الكافرين .
د) هذا الصنف لم يمحص بحيث يعيش في نعيم دائم أو عذاب مستمر في البرزخ لذا يمكن أن يعاني فترة من عذاب أو ينعم فترة أخرى وذلك يخضعون لنواميس وقوانين معينة تناسبهم إلى أن يتطهروا أو يفشلوا .
هـ) قد تكون الظروف السياسية والاجتماعية تحول دون وصول كثير من الناس إلى جادة الحق سواء المسلمين أو غيرهم لذا تتهيأ الظروف لهم بعد الموت.
ل) هؤلاء يذهبون إلى البرزخ ولكن ليس مع المؤمنين ولا مع الكفار وإنما في أماكن حسب درجة إيمانهم ووعيهم ويمرون بتجارب لتهيئتهم لعالم أفضل أو أسوأ .
ر) وقد يكون أن المؤمن والكافر يعرفان مصيرهما بعد المساءلة عكس الصنف الثالث الذين لا يعرفون مصيرهم فيمرون بتجارب وابتلاءات .
ز) أي أن هؤلاء في عالم يكونون منسي عنهم ولكن إلى حين حسب تكاملهم وذلك أن من فلسفة تكامل الإنسان أنه يمر بعوالم حتى يصل إلى عالم يوم القيامة وهو يوم حساب إذ تتاح للإنسان فرص في هذ العوالم إما أن يتكامل إيماناً أو كفراً أو نفاقاً .

ثانياً : الحياة الزوجية :
يقول أحد الفلاسفة أن الزواج مثل الزواج في الدنيا وأن الحب يجمع بين الزوجين ولكن هذا الزواج يختلف فهو عبارة عن اتحاد جزئين في عقل واحد يسمى أحدهما الذكاء والذي يمثله الزوج والآخر الإرادة وتمثلها الزوجة ليس هناك سيادة لأحد على الطرف الآخر فالاتحاد بينهما عبارة عن أنهما يكمل كل واحد منهما الآخر لذا الزواج مبارك من الله تعالى وهو يؤدي إلى استمرار المحبة وانتشارها بين الأفراد كذلك استمرار النسل والذرية على الأرض .
وتقول إحدى الأرواح المرشدة هناك اتحاد واختلاط حسب درجة الاهتزاز .
لذا ليس بالضرورة أن يكون الزوجان في الدنيا زوجين في البرزخ وتقاس درجة الاهتزاز ومداها بالحالة الإيمانية والروحية للإنسان قبل انتقاله إلى البرزخ وكذلك تقاس هذه الدرجة بالحالة التوافقية بين الزوجين كلما كانا متفقين ومنسجمين ويعيشان في راحة ومودة وتضحية كانا معاً هناك أو بدرجة حيث أن عامل الإيمان يختلف عن عامل التوافق . كذلك تقاس هذه الدرجة بالمستوى العلمي ، سأل أحد العلماء والده المتوفى في المنام وكان والده عالماً كبيراً بعد حوار قصير عن والدته قال إنها لم تكن معي بل في مكان آخر (50) .
الصراحة والعلانية في أمور الحب والعشق سائدة في الحياة ما بعد الموت ، والسبب يرجع إلى ملكة ( التلباثي ) أي قراءة الأفكار أي معرفة ما يدور في خلد الآخرين .
وهذه الصراحة تكون في المجتمع أو في المستوى الذي تحياه الأرواح الراقية بينما دونها أي الأرواح المنحطة فإن هذه الصراحة لا توجد بل عكسها وهي عبارة عن عذاب نفسي لهذه الأرواح فيظهر الفرد نواياه الشريرة رغماً منه لأن هذه العلانية يعتبر قانوناً في عالم الأرواح .
الأطفال أيضاً يفهمون أمور الحب والمحبة وغيرها التي تمهد للاتحاد بين الروحين لأنهم نشأوا وتربوا على هذه الأمور ، كذلك الحب والعشق لا يعرفان السن لأن العمر ليس له قاعدة في عالم الأرواح فهناك الناس في سن واحدة لأن الروح لا تشيب .
تختلف مراسم الزواج هناك ، حيث أنها تركز على المبادئ السامية للزواج وليس للصخب وحب الظهور .
طبعاً المقصود هنا الزواج المقدس للأرواح الراقية وأما بالنسبة للأرواح المنحطة فهي تركز على حب الظهور وزرع الأنانية والانتهاء بالشجار والكراهية البعض للآخر .
يعالج أحد المنتقلين إلى عالم البرزخ في محاضرة له عن العاطفة وكيفية الاتصال بين الزوجين فهو يبدأ بتمهيد فيقول : تحيط بالكون اهتزازات ثلاثة وهي اهتزاز المادة وتوجد على الأرض واهتزاز العالم الكوكبي ( البرزخ ) والاهتزاز الروحي وهو أعلى من الأول والثاني، ولكن كل الاهتزازات متداخلة ببعضها وتشبه هذه الاهتزازات بالأمواج الضوئية واللاسلكية ولكن أعلى منها في التردد .
إن الاهتزاز الصادر من الطرفين إذا كان في نفس الطول أي طول الموجة فإنهما يكونان في انسجام وعاطفة ويصدر الاهتزاز من حالتهما والعكس هو الصحيح ولهذا يصدق القانون الشبيه يلحق بشبيهه أو قانون التجاذب .
وينتهي المحاضر بالقول إن كل عاطفة سعيدة تقوم على مثلث الجسد والعقل والروح .
يفهم من هذا أن العاطفة المطلوبة والتي تؤدي إلى سعادة المرء في الدنيا والآخرة هي التي نادى بها الأنبياء والمرسلون ، هذه اعاطفة التي لها دور كبير في الحياة الزوجية وفي تكامل الزوجين على اعتبار أن الكون بعوالمه المختلفة في تطور، وأن الإنسان المنحرف أي الذي يرفض سنن الله أو بعضها ولا يخضع لها فإنه يخسر .
وجدير بالملاحظة أن الرابطة الأسرية هناك قوية لأنها تقوم على أسس التفاهم وتبادل الآراء والانسجام العاطفي وإلا أصبح الفرد غريباً عن أسرته كما تقول القاعدة الخير يعيش مع الأخيار والشرير يعيش مع الأشرار .
لذا قرابة الدم لا تستمر هناك إلا إذا صحبها الحب والمودة فهما يجمعان النفوس وليس الدم يجمعها .
الإنسان في عالم البرزخ يعيش آماله ورغباته ويلتقي بأصدقائه سواء الخير أو الشرير ، فهناك يعيش الإنسان في مسكن خاص وهذا خاص بالنسبة للخير وله حديقة واسعة ومكان لاستقبال الضيوف .
وفي البداية أي ببعد انتقاله إلى هناك – البرزخ – يحس برغبة شديدة بسلوك ما كان يعمله من أمور العادات والتقاليد والرغبات وهذه الرغبة والإحسان بالأمور المادية قد تطول وقد تقصر حسب وعي الفرد ودرجة إيمانه (56) .فمثلاً الغذاء موجود ولكن ليس ضروري وقد يؤخذ حسب الحاجة إلا أن نشاط لإنسان يكتسبه من الجو نفسه وليس من الغذاء .
كذلك من العادات أنه يحتاج إلى نوم عكس الأرواح الراقية التي لا تحتاج إليه وإنما تحتاج إلى راحة وغفوة ، لذا تحتاج هذه الأرواح الجديدة أي المتنقلة إلى عالم البرزخ إلى فترة للتخلص من الأفكار والعادات الدنيوية بالتدريج .
على أي حال الإنسان خاصة العادي لا يحس بالغربة لأن هناك من يأتي لاستقباله من أهله وأصدقائه المتوفين قبله ، وله حرية في رسم خطط حياته حسب الميول ولكن في حدود القواعد التي لا يصح الخروج عنها .
جاء في التراث القديم وخاصة المصري منه أن الفراعنة يؤمنون بالآخرة والحياة بعد الموت كما هو الحال في مظاهر اهتمامهم بدفن الميت وحفظه في جلود وفي مكان جاف كذلك توفير الغذاء والشراب والملابس للميت .
ويمكن أن نستفيد أيضاً أن الإنسان الميت لا يستطيع ترك عاداته الدنيوية لذا يعتقدون أن توفير هذه الحاجات هو لإشباع الرغبات الدنيوية التي تراود الميت .
ثالثاً : الحياة العلمية :
تختلف الحياة العلمية في البرزخ عما في الدنيا في الأساليب لكن عموماً الإنسان أو طالب العلم لا يتوقف عن طلب العلم وإن كان من أكبر العلماء في الدنيا .
هناك روايات توحي إلى أن الإنسان العادي الذي فاته الكثير يتكامل في البرزخ لسد النقص ،
وأيضاً يختلف استعداد الإنسان لتقبل العلوم والغور فيها من عالم إلى آخر ، والإنسان العادي والذي فاته الكثير من علوم القرآن نتيجة لقصوره وقلة استعداده فإنه في البرزخ يزداد استعداده تبعاً لزيادة فهمه وإدراكه عن هذا العالم ، لكن هناك فئة قد تشملهم الرواية السابقة وهي أن التعليم الذي فات الإنسان في الدنيا يدركه في البرزخ لأن الأسباب التي حالت دون تعليمه في الدنيا ترتفع في عالم البرزخ .
نقل عن الحافظ أبو العلاء الحمداني من رآه بعد موته وهو في مدينة جدرانها وحيطانها ملؤها كتب فسئل عن ذلك ؟ فقال : سألت الله أن يشغلني بالعلم كما كنت أشتغل به فأنا أشتغل بالعلم في قبري .
لا يتوقف تعلم العلم لدى الإنسان المؤمن وغيره لكن طالما كان عالماً في مجال تخصصه فإنه يزداد علماً أكثر بعد رحيله عن الدنيا ، والفرق بين المؤمن وغيره هو أن التكامل الإيماني يساير التكامل العلمي لدى الإنسان المؤمن ، بينما غير المؤمن يتكامل في مجال تخصصه فقط ، فمثلاً هناك من العلماء مثل تشارلز ديكنز أتم أعماله الأدبية بعد الموت .
هذا وقد يستعين علماء الأرض بعالم الروح وعلمائه الذين ماتوا في حل المعضلات العلمية التي تحيط بهم لأن علماء عالم الروح أعلم بعلماء الأرض .
يقال إن الإنسان له القدرة على إدراك جميع العوالم ( عالم الغيب والشهادة ) وأنه يتعلم بالفعل أي في مكان تواجده ولكن له استعداد وقوة في تعلم أمور غيبية أخرى وأنه يتعلمها بدرجة وأخرى إذا ما انتقل إلى عالم غير العالم الذي يعيشه وهكذا يدرك ما لم يدركه ، طبعاً هذا خاص في الإنسان الذي يريد أن يتعلم وليس الإنسان الخامل والجاهل .
يقال إن عالم الذر يعتبر من عوالم قبل الدنيا تعلم الميثاق والعهد وهو ما يعرف بالفطرة أو التدين { إما شاكراً وإما كفورا } فالإنسان له خلقية ثقافية قبل مجيئه إلى الدنيا أي أنه تعلم أشياءً في عالمي الأرواح والذر مثل التوحيد والأخلاق ومعرفة النفس .
الإحاطة العلمية :
ما معنى الإحاطة العلمية ؟
في مختار الصحاح وردت عدة معاني لكلمة ( حوط ) مثل يدور حول الأمر أي يلم بأبعاده وحاطه بمعنى رعاه أي يرعى العلم ويهتم به .
وقد يكون معنى إحاطة بشيء وأثره . هذا وهناك نظرية علمية مفادها أن الإنسان يترك أثراً وبصمات في مكان تواجده وتبقى ما بقيت الأرض وقد تكون الإحاطة بآثار الإنسان من هذا القبيل وأن رحيله عن هذا المكان يكون بالموت والهجرة .
الإنسان بجسمه المادي لا يستطيع الإحاطة بكل شيء لأنه مقيد بقيود مادية فلا يستطيع أن يرى إلا مسافة معينة ولا يستطيع أن يسمع إلا الصوت القريب منه أو صدى هذا الصوت ، لكن الإنسان الذي يتكامل يستطيع بروحه أن يحيط بعوالم أخرى مثل عالم البرزخ والقيامة وذلك عن طريق المكاشفة .
والإنسان الوليد لا يعرف شيئاً من العلوم إلا أنه يتعلم شيئاً فشيئاً لأن رشده وعقله يتكامل في الدنيا ، وبعد الموت هناك مرحلة متقدمة للعلوم فالإنسان يتعلم أو يعرف أشياء كانت خافية عليه فمثلاً حقيقة الموت وعالم ما بعد الموت والملائكة والجن حتى تعلم اللغة فمثلاً التلقين يتم باللغة العربية فيفهمها الميت غير العربي .
انواع الإحاطة :
قال الهدهد : { فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين } ( النمل / 22 ) .
هل يعلم الهدهد ما لم يعلمه النبي سليمان ؟
وما معنى { وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين } ( النحل / 16 ) .
أ) إن هناك من الباحثين من وجد لدى الحيوان مثل الفرس والكلب والقرد والزنبور والنمل من أمور لا يعرفها أكثر الناس .
ب) الإحاطة لدى هذه الحيوانات تكون إحاطة جزئية أي أنها تعلم شيئاً واحداً أو بعض الشيء وهنا علم الهدهد بعض الشيء نتيجة سفره إلى بلاد الجن واعتقد أنه يعلم والنبي لم يحط بهذا الخبر .

يقول تعالى : { ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين } ( النحل / 15 ) .
تدل الآية على أن العلم الذي لدى سليمان أشمل لأن كلمة ( علم ) جاءت نكرة وأنه أعلم من الهدهد ولكن في هذا المقام يريد تعالى أن يربي نبيه سليمان حتى لا يطغى بعد أن سخر له الجن والإنس والطير .
يقول تعالى : { كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً } ( الكهف / 91 ) .
جاء في تفسير الآية أنه تعالى عرف وأحاط بما يفعله ذو القرنين ويقال إنه تعالى عالم بكل دقائق رحلة ذي القرنين .
صحيح هذه الإحاطة من الله وأن كون الفعل والإرادة البشرية أيضاً تحت نظره تعالى وبالتالي نقول إن مصدر العلم هو الله تعالى لذا هناك آيات كثيرة تحمل نفس هذا المعنى مثل :
{ ألا إنه بكل شيء محيط } ( فصلت / 54 )
{ وكان الله بكل شيء محيطا } ( النساء / 126 )
وهذه الإحاطة الكلية من الله يقذفها في قلوب أوليائه الصالحين ، وبالذات أهل البيت-ع- حيث أن إحاطتهم العلمية شاملة بمعنى أن هذه الإحاطة تكون معهم في جميع العوالم
3- هناك إحاطة بالعمل منبثقة من الإحاطة العلمية وهي جزء منها .
يقول تعالى : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } ( التوبة / 105 ) .
وقوله تعالى : { والله محيط بالكافرين } ( آل عمران / 120 ) .
وقوله تعالى : { والله من ورائهم محيط } ( البروج / 20 )
هذه الإحاطة تكون لأولياء الله أي أن أعمال الناس تعرض على الله ورسوله والمؤمنين بكل ما يعمله الناس وفعل فسيرى يفيد استمرارية هذه الإحاطة وتكون معهم في كافة العوالم ..
ويفهم من آية { فسيرى الله ... } إلخ أيضاً أن الرؤية تكون شاملة سواء صدرت الأعمال من العبد أو نوى العمل وهذا يدخل ضمن قراءة الأفكار .
4- الإحاطة الإسمية وهي معرفة اسم الله الأعظم .
اختلف الكثير في اسم الله الأعظم . البعض يقول هو اسم الجلالة أي كلمة ( الله ) هناك من يقول أن الإسم الأعظم موجود في الأسماء الحسنى ، وهناك من يقول أنه ( يا حي يا قيوم ) وهكذا من الأقوال الأخرى .
5- الإحاطة العلمية تنقطع يوم القيامة لأنها ترجع إليه تعالى فقط كما في الآيات 106-112 من سورة طه .
ينقل صاحب كتاب أهوال القبور هذه القصة ملخصها أن هناك صحابيين كانا متآخيين وهما صعب بن جثامة وعوف بن مالك . قال صعب لعوف أي أخي أينا مات قبل صاحبه فليتراء له .
قال عوف : أو يكون ذلك ؟
قال : نعم .
فمات صعب فرآه عوف فيما يرى النائم فقال له : ما فعل بكم قال غفر لنا قال ورأيت لمعة سوداء في عنقه فقلت ( أي عوف ) ما هذا ؟ قال صعب : عشرة دنانير استلفتها من فلان اليهودي فهي في مكان كذا فأعطاه إياه واعلم أخي أنه لم يحدث في أهلي حدث بعدي إلا لحق بي خبره حتى هرة لنا ماتت منذ أيام وأعلم أن ابنتي سوف تموت لستة أيام .
قال الراوي : أتيت أهله وأخبرتهم بأمر الدنانير فأخذتها من مكانها وقلت هل حدث شيء بعد موته قالوا نعم ماتت هرة لنا وقال وسألت عن ابنته وكانت محمومة قلت لهم استوصوا بها خيراً فماتت لستة أيام .
يفهم من هذا أن الصحابي كان يعلم بموت الهرة وموت ابنته وبالتالي إن إحاطة الميت بالأمور أوسع من الحي وكلما كان قوي الأيمان كانت روحه أقوى .

رابعاً : الحالة المناخية
يقول المؤلف إن هناك شمساً أثيرية مثل الشمس في الدنيا ، ويوجد جو أكثر اعتدلاً ويوجد سحب في السماء كما في المستويات الثلاثة الأولى ( هناك سبعة مستويات لعالم البرزخ ) ولكن تختفي الأحوال المناخية ابتداءً من السطح أو المستوى الرابع فما فوق ، وهناك شفق وليس ليل كما على الأرض وخاصة في المستويات الثلاثة الأولى وذلك بسبب استضاءة جوهم والمناظر هناك أجمل منها على الأرض ، لكن القضية نسبية إذ أن العقول تكيف أجواءها فإذا كانت العقول منحطة فإنها تعيش في أوساط الظلام والوحشة فلا يكون الجو جميلاً في نظر هذه العقول .
ويقول مؤلف آخر : ليس هناك مطر إلا بعض الغيوم ولا ترى الشمس إلا ضوءها ويسقط بطريقة غير مباشرة .
وطريقة الإضاءة تجعل الأشياء لها ألوان وظلال جميلة ، والطيور والحشرات والزهور والأنهار ليس لها مثيل في الدنيا

المراجع :
القرآن الكريم
صحيح البخاري
صحيح مسلم
صحيح الترمذي
البدائية عالم المعرفة العدد 53 ، أشلي مونتاغو ، ترجمة محمد عصفور ، الكويت 1982
الموت في الفكر الغربي عالم المعرفة العدد 76 الكويت 1984
تفسير الظلال سيد قطب القاهرة
الحياة البرزخية ، محمد عبدالظاهر خليفة القاهرة
عذاب القبر ونعيمه عبداللطيف عاشور الكويت
أنت تحيا بعد الموت علي عبدالجليل راضي القاهرة 1971
اهوال القبور ، زين الدين بن رجب الحنبلي الرياض 1987
العادات المصرية بين الأمس واليوم
على حافة العالم الأثيري ، آرثر فندلاي ، ترجمة أحمد فهمي أبو الخير القاهرة 1964
الخلود في التراث الثقافي المصري القاهرة
العالم غير المنظور القاهرة
الإنسان روح لا جسد رؤوف عبيد القاهرة 1970
الكوميديا الإلهية ، دانتي القاهرة
قصتي العظمى ، روستيد القاهرة