الرياض: محمد الهمزاني
لم تفلح محاولات قدمها بعض أساتذة الفقه والشريعة الإسلامية في بلورة حكم نهائي حول وجوب الزكاة على الأراضي، سواء تلك المعدة للتجارة أو المعدة للتملك والسكن.
وخلال ندوة «زكاة الأراضي والمساهمات العقارية المتعثرة» التي نظمتها لجنة الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل وبدعم من مؤسسة محمد وعبد الله إبراهيم السبيعي الخيرية الجمعة الماضية في الرياض، ظلت أراء أساتذة الفقه الإسلامي متفاوتة بين مؤيد ومعارض لموضوع وجوب الزكاة على الأراضي من عدمها.

ورأى أحد المشاركين أن الأراضي المملوكة إذا قصد بها التجارة صارت عروض تجارة، ووجبت فيها الزكاة في قول عامة أهل العلم، وهذا الحكم تؤيده النصوص العامة والخاصة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، وعليه اتفقت المذاهب الأربعة.

وقدم الدكتور فهد المشعل عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية خلال الندوة بحثا عن «زكاة الأرض عند الفقهاء»، قصد به بيان أحكام الزكاة المتعلقة بالأرض المملوكة الخالية باختلاف أنواعها واختلاف مقاصد الناس فيها.

وخلص المشعل إلى أن الأراضي المملوكة إذا قصد بها التجارة صارت عروض تجارة، ووجبت فيها الزكاة في قول عامة أهل العلم، وهذا الحكم تؤيده النصوص العامة والخاصة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، وعليه اتفقت المذاهب الأربعة. وقال: «إن عدم وجوب الزكاة في العروض قول «شاذ»، ومخالف لما تقتضيه المصلحة العامة التي قصدها الشرع في الزكاة».

وأبان المشعل أنه يشترط لوجوب الزكاة في الأراضي شرط واحد فقط، هو نية التجارة بها، بأن ينوي بيعها للحصول على المال، نية لا تردد فيها. وأضاف قائلا: «ليس من شرط صحة هذه النية عرضه على مكتب عقاري أو وضع لافتات عليها ونحو ذلك، بل يكفي إضمار بيعها في الوقت المناسب».

وزاد أن الغالب من شراء الأراضي عدم نية التجارة، وفي هذه الحالة لا توجب الزكاة في الأرض، ومن ذلك نية بنائها للسكن أو للإيجار أو نية زرعها أو غرسها أو جعلها استراحة أو مستودعا أو مواقف أو نحو ذلك، كما أنه لا يشترط لزكاة الأرض أن يملكها بفعله كالشراء والصلح والخلع وقبول الهبة أو الوصية، بل متى دخلت ملكه بأي سبب كان، ثم نوى بها التجارة وجبت فيها الزكاة.

وأوصى المشعل تجار الأراضي بتقويم أراضيهم المعدة للبيع كل عام، سواء كانت رائجة أو كاسدة، ويكون التقويم بسعر يومها في نهاية كل حول، ويبدأ حولها منذ ملك ثمنها إذا كان ثمنها مما تجب فيه الزكاة، ومقدار زكاة الأراضي ربع عشر قيمتها 2.5 في المائة كالنقود لأنها تقوم مقامها وهي وسيلة إليها.

وفيما يتعلق بالمساهمات العقارية المتعثرة ووجوب الزكاة من عدمها، قدر الدكتور يوسف القاسم أستاذ الفقه المساعد في المعهد العالي للقضاء، عدد المساهمات العقارية المتعثرة في منطقة الرياض والشرقية بأنها 134 مساهمة، وبقيمة بلغت 5.80 مليار ريال وذلك منذ عام 1395هـ وحتى 1424هـ، كان نصيب الرياض منها 114 مساهمة بقيمة 80 مليون ريال والخمسة مليارات الباقية في المنطقة الشرقية، لكنه قال: «إن هذه الإحصائية ليست دقيقة نظرا لأنه طرأ عليها بعض المستجدات». ولخص القاسم في ورقة العمل التي قدمها خلال الندوة بعض الأسباب التي تؤدي إلى تعثر المساهمات العقارية وهي إما تلاعب مدير المساهمة بأموال المساهمين، وإما تجميد تلك المساهمات العقارية من قبل الجهات الرسمية، إما لمخالفات نظامية، وإما لتظلم بعض المساهمين لدى الجهات المختصة ضد القائمين على تلك المساهمات، بسبب المماطلة في صرف مستحقاتهم المالية، وإما لظهور خصومة في ذلك العقار، وإما لعدم كفاءة بعض القائمين على هذه المساهمات، ودخولهم غمار تجارة المساهمات العقارية دون سابق خبرة أو تجربة، ودون دراسة للجدوى الاقتصادية من هذه المساهمة أو تلك، أو لغير ذلك من الأسباب التي أسهمت في خلق هذا النوع من المساهمات، وقد ترتب على هذا الواقع المحفوف بالتعثر العديد من الإشكالات، ومن ذلك حكم زكاة هذه الأسهم المتعثرة.

وقال: «إنه يجب علينا أن ننظر إلى السبب المؤدي إلى هذا التعثر، وإلى واقع المال المتعثر، هل تحول من نقد إلى عروض، أم لا؟ فتعثر المساهمة يكون أما بسبب مدير المساهمة، وإما بسبب طرف خارجي كالدوائر الحكومية المختصة، فإن كان بسبب المدير، وكان التعثر ناتجاً من كساد العقار، فهذا تجب فيه الزكاة كل عام لأن لأسهم هذا العقار قيمة سوقية، ويجوز للمساهم أن يبيع نصيبه ولو بالعقد من الباطن».

ولفت القاسم إلى أنه إذا كان التعثر ناتجاً من مماطلة المدير في تصفية المساهمة، فهذا يخرّج حكمه على مماطلة المدين للدائن، وأثره في وجوب الزكاة عليه، وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال، وتبين أن الراجح في هذه المسألة عدم وجوب الزكاة في دين المماطل، وبالتالي فإن المساهمات إذا كانت متعثرة بسبب مماطلة المدير في تصفية المساهمة، فإنه لا تجب فيها الزكاة، وإذا انفك التعثر، وعادت الأموال إلى أربابها، فإنه يستأنف بها حولا، ولا تجب الزكاة فيها لما مضى. وقال: «وإن احتاط لذمته وزكاها إذا قبضها لسنة واحدة كان أولى، ولاسيما أنه يشكل على الكثير من الناس تحديد الزمن الذي يحكم فيه بوقوع التعثر، هذا إن كان تعثر المساهمة بعد شراء العقار وتحول النقد إلى عرض، وكان التعثر بسبب مدير المساهمة، لأجل الكساد، أو المماطلة».

وأضاف القاسم أن تعثر المساهمة إن كان بسبب طرف خارجي، كتجميد المساهمة عن طريق الدوائر الحكومية المختصة، فالأقرب أن حول التجارة ينقطع بهذا التعثر، حيث لم يعد العقار مما تجب فيه الزكاة.

أما إن كان تعثر المساهمة قبل شراء العقار، بحيث لا تزال أموال المساهمين نقوداً في يد المدير، وأخذها بحجة فتح مساهمة ما، ثم اكتشفوا أنهم وقعوا ضحية نصب واحتيال، وأنه قام بوضعها في حساباته الخاصة، أو بتشغيلها في مصالحه المختلفة، فهذه النقود وإن كانت في الأصل مرصودة للنماء، إلا أنها تأخذ حكم زكاة المال الضمار، وقد اختلف الفقهاء في حكم زكاته على ثلاثة أقوال، وبين الباحث أن الراجح في هذه المسألة هو عدم وجوب الزكاة في المال الضمار.

وتوصل القاسم إلى أن المساهمات إذا تعثرت قبل شراء العقار، بسبب النصب والاحتيال، فإنه لا تجب فيها الزكاة، وإذا انتهى التعثر وعادت الأموال إلى أصحابها، فإنه يستأنف بها المساهم حولا، ولا تجب الزكاة فيها لما مضى، وإن احتاط لذمته، وزكاها إذا قبضها لسنة واحدة كان أولى، ولاسيما أنه يشكل على الكثير من الناس تحديد الزمن الذي يحكم فيه بوقوع التعثر. وأوصى القاسم بأن على المسؤولين في الدولة دراسة الأسباب التي أدت إلى تعثر المساهمات العقارية دراسة جادة، وإيجاد الحلول المناسبة للخروج من هذا المأزق أو الفخ الذي وقع فيه كثير من المساهمين، والذي ألقى بظلاله على اقتصاد البلد كله، وأن تتم دراسة الأسباب وتقديم الحلول من خبراء اقتصاديين أمناء على ثروة هذا البلد، وقيمه الإسلامية النبيلة.

وحذر القاسم من وضع الحلول التي هي أشبه بالعراقيل منها بالمخرج من هذه الأزمة، وقد أفرز التنظيم الأخير ـ بحسب ما أفاد به بعض المسؤولين في وزارة التجارة ـ انصراف التجار عن فتح المساهمات العقارية، بل وإلى ممارسات أخرى غير نظامية كفتح المساهمات من الباطن، وهذا له أثره السيئ في المستقبل القريب.

من جهته أكد الدكتور يوسف الشبيلي عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للقضاء عضو داعم للهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل، أن عددا من المختصين توصلوا إلى اتفاق في الرأي بعد دراسة وبحث عدد من المسائل فيما يتعلق بالوعاء الزكوي للمشاريع الاقتصادية، بأنه لا زكاة في المساهمات العقارية المتعثرة.

وأوضح الشبيلي أنه سيتم الرفع بالتوصيات التي خرجت بها الندوة والتي من ضمنها عدم وجوب الزكاة على المساهمات العقارية المتعثرة، إلى الهيئة الإسلامية للاقتصاد والتمويل للبت فيها، مشيرا في الوقت ذاته إلى أنه تم تشكيل لجنة لمتابعة تلك التوصيات ليتم تدوينها وعرضها على أعضاء الهيئة للمصادقة عليها.

وقال الشبيلي إن الندوة خلصت إلى الأصل الشرعي في الأموال الزكوية وما يجب فيه الزكاة وما لا يجب، وحكم زكاة الأراضي التجارية، وحكم إذا قلب الشخص نيته في الأرض التي يتملكها إن كان بقصد التملك والاقتناء، أو عكس هذه النية وقصد بها التجارة، وهل تصبح من عروض التجارة، كما خلصت الندوة إلى حكم العقارات المدخرة لفترات طويلة هل تجب الزكاة فيها أو لا.

وأجمع حضور الندوة على أن تنظيم الندوة بادرة جيدة تحسب للهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل، وجهودها نحو مناقشة أبرز القضايا الاقتصادية المعاصرة، إلا أنه بالرغم من ذلك فإنه كان من الأنسب توجيه الدعوة لبعض المسؤولين أو رجال الأعمال خاصة المستثمرين في المجال العقاري، لسماع وجهة نظرهم حيال ما يطرح من رأي فقهي.

وتظل زكاة الأراضي في السعودية من أبرز القضايا العالقة، خاصة مع الارتفاع الكبير في أسعار الأراضي التجارية والسكنية، الأمر الذي جعل كثير من المهتمين ينادون بضرورة جباية الزكاة على الأراضي خاصة تلك التي تظل لأعوام طويلة بيضاء من دون الاستفادة منها في الوقت الذي يزيد سعرها عاما بعد آخر.

http://www.aawsat.com/details.asp?se...article=409215