الماوردي
12-17-06, 11:09 AM
د. فايز بن عبد الله الشهري
بعد أن بثّ شكوى مرّة من (انسحاب) البنت والولد عن بقيّة الأسرة واكتفائهم بالانترنت رفيقاً وأنيساً سأل ولي الأمر المشفق على أبنائه: هل تنصح بعدم تجديد خدمة الانترنت وإبعادها من منزلي قبل أن (تسرق) أطفالي مني؟ لم يقدّم المسؤول لسائله إجابة حدّية ("نعم" أو"لا") و استعاض عن ذلك بأسئلة وتساؤلات عن وجود وطبيعة الخيارات الترفيهية الأخرى المتاحة في المنزل، وطلب من الأب التفكير في صيغة اتفاق مع الأبناء على بعض الضوابط (الوقت والمكان) التي تحكم استخدامات الانترنت مع أهمية التفكير في تنظيم نشاطات انترنتية جماعيّة لكل أفراد العائلة لتكون الانترنت رفيقة كل الأسرة. و يبدو أن الأب لم يقتنع كثيرا بهذه الأطروحات و مع انه وعد بالمحاولة إلا انه أكد على أن قطع خدمة الانترنت هو الحل.. ثم أنهى الحوار متمتما بعبارات سخط من الانترنت وزمانها.
يصعب هنا تحديد سبب أو كيف بدأ مثل هذا الاتجاه الذي جعل الانترنت المتهمة الحاضرة في كل منتدى موضوعه المشكلات والظواهر الاجتماعية السلبية، إذ لا تكاد تقرأ أو تسمع أو تشاهد مقابلة يتحاور أطرافها حول المجتمع والشباب إلا والانترنت هي الإشكالية الرئيسة في كل قضية. كثيرون ينظرون إلى الشبكة على أنها هي سبب العنوسة، وهي مصدر الانحلال الخلقي، وهي محفز العنف والإرهاب، وهي في ثقافتنا الشعبية- بشكل عام- أم الشرور والبلايا وكأنها هي التي اخترعت محتواها السلبي المليء بالشائعات والافتراءات، و أنها هي المسؤولة عن نشر وإشاعة كل هذه الفتن بين الناس عبر فضائها الافتراضي. بكل وضوح وبكل أسف أيضا هذا هو السائد في الخطاب الاجتماعي التوعوي ومنه تتسرب كثير من التعميمات إلى بعض البحوث والدراسات العلمية دون تمحيص أو تدقيق.
هل الانترنت هي المجرمة حقا والناس هم مجرد (ضحايا) طيبون تتربص بهم حبائل الشبكة العنكبوتية صباح مساء؟ هلا سألنا أنفسنا عمن ضخ كل هذا الدم الفاسد في أوردة الانترنت؟! ومن الذي حشا مخازنها الالكترونية بمئات الملفات المليئة بالفضائح والتشهير والفتنة؟ هل هذه منتجات الانترنت أم أنها مخرجات مجتمعية أظهرتها الانترنت لتعكس بها واقعا لا يمكن علاجه إلا بالاعتراف به؟
أليس من الأجدى بدلاً من ذمّ الشبكة والتنفير من استخداماتها أن نقف احتراما لهذه الوسيلة السحريّة التي خدمتنا بأن وضعت كل مشكلاتنا واحباطاتنا وأحلام شبابنا على شاشة الحاسوب بكل ما فيها من ثورة وانفعال. كيف كان ممكنا أن نعرف كيف يفكر الشباب وماذا يريدون وقد جعلنا بيننا وبينهم سدا من العيب في غير عيب، وألجأنهم بصرامتنا الاجتماعية وانشغالنا عنهم إلى منتديات الشبكة ليصرخوا بنا من خلالها قائلين: أين أنتم؟ نحن هنا؟ وفي البعد الاتصالي العالمي ترى كيف أمكن لنا بدون وجود هذه الشبكة العالمية أن نتّصل (بلا وسيط) بمن نريد من شعوب الأرض لنعرف كيف يفكرون، وعم يتساءلون في أمور ديننا ودنيانا؟
خلاصة القول ينبغي أن ندرك أن لا طائل من جعل شبكة الانترنت محل الشكوى والتبرّم في كل موعظة ومحاضرة فقد اُخترعت - وسيلة محايدة- لتبقى وتنمو، معززة بخدماتها التي حظيت بقبول جماهيري عالمي حتى باتت -كما تشير الدراسات- تحتل المرتبة الثانية في وسائل الترفيه بعد التلفزيون. إذا لا نفع من شكوى (الوسيلة) ونحن من نضع (مضامينها) ونربي مستخدميها وننتج كل الثقافة المرتبطة بها؟
الانترنت باختصار ما هي إلا صورة عاكسة لوعي وثقافة مجتمع، و هي كاميرا فورية تبث للدنيا كلها تصرفات وسلوكيات من يقفون (متفرجين) أمامها وهي في مجمعها صندوق الشكاوى المعلق على جدران التجاهل.. ألا تقرؤون؟.
مسارات
قال ومضى: في حين قد ينفق (العاقل) سنوات لاكتساب الأصدقاء، لا يحتاج الشخص (الأناني) سوى بضع حماقات لخسارتهم.
fayez@alriyadh.com
الأعضاء فقط هم الذين يستطيعون مشاهدة الروابط
بعد أن بثّ شكوى مرّة من (انسحاب) البنت والولد عن بقيّة الأسرة واكتفائهم بالانترنت رفيقاً وأنيساً سأل ولي الأمر المشفق على أبنائه: هل تنصح بعدم تجديد خدمة الانترنت وإبعادها من منزلي قبل أن (تسرق) أطفالي مني؟ لم يقدّم المسؤول لسائله إجابة حدّية ("نعم" أو"لا") و استعاض عن ذلك بأسئلة وتساؤلات عن وجود وطبيعة الخيارات الترفيهية الأخرى المتاحة في المنزل، وطلب من الأب التفكير في صيغة اتفاق مع الأبناء على بعض الضوابط (الوقت والمكان) التي تحكم استخدامات الانترنت مع أهمية التفكير في تنظيم نشاطات انترنتية جماعيّة لكل أفراد العائلة لتكون الانترنت رفيقة كل الأسرة. و يبدو أن الأب لم يقتنع كثيرا بهذه الأطروحات و مع انه وعد بالمحاولة إلا انه أكد على أن قطع خدمة الانترنت هو الحل.. ثم أنهى الحوار متمتما بعبارات سخط من الانترنت وزمانها.
يصعب هنا تحديد سبب أو كيف بدأ مثل هذا الاتجاه الذي جعل الانترنت المتهمة الحاضرة في كل منتدى موضوعه المشكلات والظواهر الاجتماعية السلبية، إذ لا تكاد تقرأ أو تسمع أو تشاهد مقابلة يتحاور أطرافها حول المجتمع والشباب إلا والانترنت هي الإشكالية الرئيسة في كل قضية. كثيرون ينظرون إلى الشبكة على أنها هي سبب العنوسة، وهي مصدر الانحلال الخلقي، وهي محفز العنف والإرهاب، وهي في ثقافتنا الشعبية- بشكل عام- أم الشرور والبلايا وكأنها هي التي اخترعت محتواها السلبي المليء بالشائعات والافتراءات، و أنها هي المسؤولة عن نشر وإشاعة كل هذه الفتن بين الناس عبر فضائها الافتراضي. بكل وضوح وبكل أسف أيضا هذا هو السائد في الخطاب الاجتماعي التوعوي ومنه تتسرب كثير من التعميمات إلى بعض البحوث والدراسات العلمية دون تمحيص أو تدقيق.
هل الانترنت هي المجرمة حقا والناس هم مجرد (ضحايا) طيبون تتربص بهم حبائل الشبكة العنكبوتية صباح مساء؟ هلا سألنا أنفسنا عمن ضخ كل هذا الدم الفاسد في أوردة الانترنت؟! ومن الذي حشا مخازنها الالكترونية بمئات الملفات المليئة بالفضائح والتشهير والفتنة؟ هل هذه منتجات الانترنت أم أنها مخرجات مجتمعية أظهرتها الانترنت لتعكس بها واقعا لا يمكن علاجه إلا بالاعتراف به؟
أليس من الأجدى بدلاً من ذمّ الشبكة والتنفير من استخداماتها أن نقف احتراما لهذه الوسيلة السحريّة التي خدمتنا بأن وضعت كل مشكلاتنا واحباطاتنا وأحلام شبابنا على شاشة الحاسوب بكل ما فيها من ثورة وانفعال. كيف كان ممكنا أن نعرف كيف يفكر الشباب وماذا يريدون وقد جعلنا بيننا وبينهم سدا من العيب في غير عيب، وألجأنهم بصرامتنا الاجتماعية وانشغالنا عنهم إلى منتديات الشبكة ليصرخوا بنا من خلالها قائلين: أين أنتم؟ نحن هنا؟ وفي البعد الاتصالي العالمي ترى كيف أمكن لنا بدون وجود هذه الشبكة العالمية أن نتّصل (بلا وسيط) بمن نريد من شعوب الأرض لنعرف كيف يفكرون، وعم يتساءلون في أمور ديننا ودنيانا؟
خلاصة القول ينبغي أن ندرك أن لا طائل من جعل شبكة الانترنت محل الشكوى والتبرّم في كل موعظة ومحاضرة فقد اُخترعت - وسيلة محايدة- لتبقى وتنمو، معززة بخدماتها التي حظيت بقبول جماهيري عالمي حتى باتت -كما تشير الدراسات- تحتل المرتبة الثانية في وسائل الترفيه بعد التلفزيون. إذا لا نفع من شكوى (الوسيلة) ونحن من نضع (مضامينها) ونربي مستخدميها وننتج كل الثقافة المرتبطة بها؟
الانترنت باختصار ما هي إلا صورة عاكسة لوعي وثقافة مجتمع، و هي كاميرا فورية تبث للدنيا كلها تصرفات وسلوكيات من يقفون (متفرجين) أمامها وهي في مجمعها صندوق الشكاوى المعلق على جدران التجاهل.. ألا تقرؤون؟.
مسارات
قال ومضى: في حين قد ينفق (العاقل) سنوات لاكتساب الأصدقاء، لا يحتاج الشخص (الأناني) سوى بضع حماقات لخسارتهم.
fayez@alriyadh.com
الأعضاء فقط هم الذين يستطيعون مشاهدة الروابط