ناهد با شطح
في محاضرة للدكتور عبدالله محمد الفوزان (أستاذ مشارك في قسمالاجتماع في جامعة الملك سعود في الرياض) في مستشفى أبها قدم حقائق وإحصائيات عنالتغيرات الاجتماعية وأثرها على الأسرة السعودية، يقول: "إن 90% من حالات إيذاءالأطفال ناتجة عن سوء معاملة الأم ثم الأب في المرتبة الثانية ثم زوج الأم، حيث فيالمرتبة الأولى من وسائل إيذاء الأطفال ثم الحرص ثم التحرش الجنسي ثم الإهمال.
وإن أكبر نسبة قضايا مطروحة أمام المحاكم في مكة المكرمة حيث بلغت 90ألف قضيةوفق إحصائيات وزارة العدل و 47ألف قضية في المدينة المنورة.
وقد تزايد عدد العوانس إلى مليون ونصف عانس وبعد عام أو عامين سيكون في السعوديةمليونا عانس، وقد أكدت الدراسات وجود 15ألف حالة زواج من الخارج 44% ممن تزوجوا منالخارج تقل أعمارهم عن 40سنة و52% منهم لم يسبق لهم التقدم لطلب يد الفتاةالسعودية، هذا بالإضافة إلى سيطرة النزعة المادية على المجتمع. ومعاناة عدد منالأسر من زيادة المصروفات فـ 42% من المجتمع السعودي يعملون عملاً إضافياً لتعويضمتطلباتهم الحياتية.
وقد أشار الدليل الإحصائي لوزارة العدل للعام 1417هـ إلى أن مجموع عقود الزواجبالمملكة بلغت , 64339يقابلها , 15697صك طلاق أي أن نسبة الطلاق في المملكة بلغت 24% بمعنى أن كل ثلاث حالات زواج يقابلها حالة طلاق واحدة، وحسب الإحصاءات لوحظ أنمنطقة مكة المكرمة قد جاءت في المرتبة الأولى من حيث عدد حالات الزواج 18046فالرياضفي المرتبة الثانية 10920فالمدينة المنورة فمنطقة عسير 5123وفي المرتبة الخامسةالقصيم 4243فالمنطقة الشرقية 3557فيما جاءت محافظة الأفلاج في المرتبة الأخيرة بـ 268فقط.
وبالنسبة للطلاق فقد جاءت محافظة القنفذة في المرتبة الأولى حيث بلغت 489حالةطلاق بنسبة 48% فمحافظة القويعية 113بنسبة 35% فالمنطقة الشرقية 1243بنسبة 34% فيماجاءت منطقة الرياض في المرتبة الرابعة حيث بلغت حالات الطلاق 3664بنسبة 33% فمحافظةوادي الدواسر 148بنسبة 32% فمنطقة عسير 1496بنسبة 29% فتبوك والأفلاج بنسبة 28% فالحدود الشمالية 224بنسبة 27%.
في حين سجلت منطقة الباحة ونجران والدوادمي أقل نسبة في حالات الطلاق علىالتوالي 12%، 10%، 7%.
النفط وتداعيات مرحلته:
كيف تحول دور الأسرة المساند قديماً للمسجد والحي إلى دور مختلف؟ لماذا تغيرتملامح الأسرة وإرادتها القوية في المحافظة على كيانها وعلى نظام القرابة كضابطاجتماعي لاستمراريتها؟
إن أعظم حدث اقتصادي مرت به المملكة العربية السعودية في العصر الحديث هو تدفقالنفط على أراضيها بكميات ضخمة فقد جاء اكتشافه في عام 1357هـ/1938م وكان استخراجهواستغلاله بمثابة تحول اقتصادي جذري ومفاجئ لمختلف جوانب الحياة الاقتصاديةوالثقافية والسياسية، ومع تطور استخراج النفط وارتفاع أسعاره في عام 1392هـ/1973متكون المال الفائض من عائدات النفط، وكان وقت الطفرة المالية التي شهدها مجتمعالمنطقة لأول مرة في تاريخه.
من هنا بدأ المجتمع ينفض عنه العزلة وبرزت الثقافات المتجددة التي أدت إلى هجرة 18ألف أسرة للإقامة الدائمة في مدينة الرياض وفي غيرها من المدن وازدادت ضغوطالحياة الاقتصادية والاجتماعية بفعل هذه الهجرة، أو بفعل الحراك الاجتماعي أفقياًورأسياً.
هذا النمو الحضاري انعكس على واقع الأسرة السعودية وأحدث تأثيرات قوية في بناءالأسرة ودورها.
وإذا كنا سنتحدث عن الأسرة فمن الضروري أن نتحدث عن مؤسسيها الزوج والزوجة وكيفتحولت في المجتمع بعض البيوت إلى منازل آيلة للسقوط.. تحت سقفها أفراد لا تجمعهمالعاطفة أو الود انما مصلحة البقاء في وضع اجتماعي مقبول لدى المجتمع في جو منالعزلة والانفصال الروحي.
إن التفكك الأسري وعدم الترابط ينعكسان بشكل سلبي على الأطفال في الأسرة وتساهمهذه الحالة في بناء مجتمع مفكك نظراً لمعاناة أطفاله وقد أجرى الباحثون بجامعةبنسلفانيا الأمريكية دراسة ميدانية شملت حوالي مائتي أسرة تضم أطفالاً ما بين الصفالأول والرابع الابتدائي لتقييم مدى تأثير تصرف الوالدين وعلاقاتهم الأسرية على نموالطفل، حيث وجد الباحثون أن ضغوط العمل والمشكلات الأسرية وما ينجم عنها من أزماتنفسية للأطفال، يمكن أن تعرقل وسائل التواصل النفسي بين الأبوين وأطفالهم.
ولاحظ الأستاذ مندل القباع من خلال خبرته في ميدان (الأحداث) لدينا أن "75% منحالات الإيداع المؤسسي هم سليلو أسر مفككة، فالجنوح في هذه الحالة يمثل حالات لمتهيأ لها الفرصة الأسرية للنمو السليم.
وهؤلاء الأطفال الذين ينشؤون في هذا المناخ ينطوون في سلوكهم على انحراف كامنحين يجد الفرصة سانحة في أي زمان أو مكان عبر عن نفسه وصار سلوكاً ممارساً ملموساًفي تصرفات حياتية".
وفي دراسة قام بها الباحث نفسه موضوعها الترابط الأسري وأثره في تكوين شخصيةالشباب لاحظ أن نسبة 50% من عينة الدراسة غير راضية عن وضع الأسرة و50% أفادت بأنثمة شجاراً دائماً بين الأب والأم وأن 32% لا يهتم بهم أحد في المنزل وفي دراسةللأستاذ (حسن الساعاتي) وجد أن ,674% من الأحداث الجانحين قد انحدروا من أسر غيرمتوافقة ومفككة.
إذن فارتفاع نسبة الأحداث في المجتمع ينتج عن عدم وجود الأسرة الحاضنة لكن ليسهذا هو الأثر الوحيد للتفكك الأسري بل إن هناك آثارا تسري على المجتمع والأجيالحددها الدكتور سليمان أحمد بالآتي:
1- خروج جيل حاقد على المجتمع لفقدان الرعاية منه.
2- وجود أفراد متشردين في المجتمع.
3- انتشار السرقة والاحتيال والنسب.
4- تفشي الجريمة والرذيلة في المجتمع.
5- زعزعة الأمن والاستقرار.
6- عدم تماسك المجتمع في الملمات.
7- عدم الشعور بالمسؤولية.
8- انحطاط أخلاقيات المجتمع.
9- عدم احترام سلوك وعادات وأعراف المجتمع.
10- تدهور سمعة الأمة وهيبتها.
بعض ملامح التغير:
لقد تغيرت الحياة من حول الأسرة في العالم أجمع ولن نجحف الأسرة السعودية شيئاًمن أصالتها فما زال الخير فيها، لكن التغير سنة الحياة وقد أسهم تخطيط الأحياء فيتباعد المساكن واختلفت أدوار الرجل والمرأة حين خرجت المرأة للعمل ومع قدوم العمالةمن خادمات وسائقين.
كما نشأ عن عائدات النفط قيم استهلاكية مثل الانفتاح والسفر إلى الخارج كما ظهرالاستهلاك الترفي الذي تحدثت عنه دراسة "سلوك المستهلك السعودي" التي قام بهاالدكتور "حسن أبو ركبة" حيث وجد أن "40-60% من دخل الأسرة السنوي ينفق على الغذاءو15-20% على الكساء ومثلها على العلاج والترفيه والسياحة و5-10% على التأثيث ومثلهاعلى الأجهزة الكهربائية و5-15% على التعليم ومثلها على السكن ومثلها كمدخرات".
إن التغيرات العالمية أحدثت تغيراً في المجتمع بتحديث قيمه وظهر التنافس بينأفراده عامة وبين الأزواج بشكل خاص والأخير مختلف عن التنافس التقليدي الذي يوجدطبيعياً بين الأزواج إذ إن أشكال التنافس كما يحددها الدكتور حسان المالح استشاريالطب النفسي بجدة في قوله: "يأخذ التنافس أشكالاً ظاهرة واضحة أو غامضة غير مباشرة،وذلك وفقاً لشخصية الزوجين وظروفهما.. وفي العلاقة الزوجية التقليدية حيث يعملالرجل خارج المنزل وتعمل المرأة داخله يأخذ التنافس والصراع أشكالاً تختلف عنها فيالعلاقات الزوجية الحديثة حيث يعمل الطرفان خارج المنزل.
ومن أمثلة التنافس في العلاقات التقليدية الخلاف حول الطبخ والطعام وجودتهوإتقانه..
وفي الأسرة الحديثة يأخذ التنافس موضوعات أخرى مثل التحصيل العلمي أو المادي أوالمهني أو التفوق الثقافي والمعرفة العامة أو التخصصية وغير ذلك وهناك التنافسالمقبول الإيجابي ولكن التنافس المدمر هو الذي يمكن أن يكون عامل هدم في العلاقاتالإنسانية عموماً وفي العلاقات الزوجية خصوصاً.. ولا بد من القول إن العصر الحديثوقيمه التي تشجع على الفردية والأنانية والتنافس.. لها دورها في زيادة حدة التنافسوإشعاله بين الأزواج ومن ثم ازدياد الاختلاف والصراع.. ولا يعني ذلك أن التنافس لميكن موجوداً قديماً ولكن ربما كان بدرجات أقل أو أشكال مختلفة".
هذا التنافس لا بد له من وعي بقيمته وتحويله إلى إيجابية تحفز الزوجين لبناءأسرة متطورة وفق قواعد متينة وفق الأطر الإسلامية.
مشكلاتنا العائلية وأسبابها:
المشاكل في كل البيوت نتيجة احتكاك الأفراد وهي غالباً تكسر حدة الملل والروتينوتنشط العلاقات الإنسانية إذا ما تعاملنا معها بإيجابية ولكن هناك بيوت تصرخ وأخرىباردة وصامتة لماذا؟
يمكن تقسيم أسباب المشاكل العائلية إلى ثلاثة محاور:
أ- من وجهة نظر الرجل:
1- عدم تقدير الزوجة لأعباء زوجها وواجباته الاجتماعية "طبيعة عمله".
2- عدم مراعاة الزوجة لأوضاع زوجها المالية.
3- اختلاف ميول الزوجة ورغباتها عن الزوج.
4- إهمال المرأة لشؤون الأسرة.
ب- من وجهة نظر المرأة:
1- تدخل الزوج في الشؤون البيتية أكثر مما ينبغي.
2- بقاء الزوج فترة طويلة خارج المنزل.
3- رغبة الزوج في الانعزال عن الآخرين أو الاختلاط في المجتمع المحيط.
4- النظرة الدونية للمرأة.
5- التلفظ أمام الأطفال بكلمات غير لائقة.
6- انخفاض المستوى الثقافي والاجتماعي للزوج مقارنة بالزوجة.
7- عدم إعطاء الزوجة الحرية أو الثقة في تصرفاتها الشخصية.
8- عدم تعاون الزوج في توفيق الزوجة بين العمل ومتطلبات الأسرة.
ج- أسباب مشتركة:
تحكيم العاطفة أو المصلحة المادية عند اختيار الزوج أو الزوجة، سوء فهم كل منالزوجين لطباع الآخر، الاختلاف المستمر في الآراء ووجهات النظر، المشكلات الجنسيةوالعاطفية، تباين أسلوب كل منهما في تربية الأبناء، المسائل المادية، كذب أحدهماعلى الآخر، تدخل أهل الزوج أو الزوجة في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالأسرة، العناد،الغيرة الشديدة، الأنانية، فارق العمر، انعدام الحوار، الرغبة في إنجاب الكثير منالأبناء، عدم تحمل المسؤولية، عدم فهم كل طرف لشخصية الآخر، افشاء أسرار البيت،انفاق المال في غير محله، العمل المرهق خارج المنزل، التسلط، الخيانة.
هذه الأسباب وغيرها هي مربط الفرس حين يعيها الزوجان ولكن السؤال من الذي يمكنأن يتدخل لتوعية قطبي الأسرة بالمشاكل والحلول، هنا مربط الفرس ففي ظل هذه التغيراتالتي حدثت للأسرة فإننا لا نجد نشاطاً من مؤسسات المجتمع للاهتمام بها فالمراكزالأسرية الحكومية المنوطة بهذا الدور مفقودة لدينا وأرجو ألا نوكل إلى الجمعياتالخيرية هذا الدور التخصصي فلديها من المسؤوليات ما يكفيها فضلاً عن توجهها مؤخراًإلى الاهتمام بالأنشطة الثقافية ودورات تدريب اللغة الإنجليزية والحاسب الآلي.
إن مشاكل الأسرة لدينا تتفاقم وقد تبدلت نوعية القضايا التي تطرح في المحاكموكذلك كيفية صدور الأحكام لقد تغيرت مفاهيم الناس نحو صياغة العلاقات الإنسانية (فيالأسرة أو مجال العمل).
وعند سؤال أي قاض اليوم فإنه سيتحدث بما يسمعه ويراه كل يوم من مشاكل بينالزوجين كان بالإمكان أن تمر بقنوات أخرى لحلها قبل الوصول إلى القضاء ووقوفالزوجين أمام المحكمة.
كيف هو التوازن؟
لا بد للمؤسسات المجتمعية من النهوض بوعي الأفراد نحو تأكيد قيم التعاون والمحبةوالمودة والسكن ومعرفة الأمور النفسية الداخلية التي تدفع الناس إلى التنافس ممايساهم في ضبط النفس والمشكلات والصراع، ضمن الحدود المقبولة الإيجابية والتي تساعدعلى البناء والازدهار ولا بد لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية أن تلتفت إلى إعدادبرامج تعمل على ترقية الأسرة وتنميتها عن طريق تمكين الأسرة في عمومها من العيش فيرغد وسد كافة احتياجاتها دون معاناة وهو الدور المعتاد ولكن يبقى دورها مهما فيإنشاء وحدات إرشاد أسري في الأحياء وإن كانت مثلاً تابعة للوحدات الصحية إلا أندورها ليس صحياً. وقد دعا د. الفوزان إلى التفاعل الروحي بين أفراد الأسرة ومحاولة حل المشكلاتالتي تواجه الأسرة السعودية من غلاء المعيشة والبطالة ومشكلات الإسكان وتفعيل دورصندوق التنمية العقارية ودور الجمعيات الخيرية للمساهمة في دعم الأسر السعودية التيتواجه المزيد من حالات الانحراف والعنوسة والسجون.
وكان للأستاذ مندل القباع رأي في التوسع في فصول تعليم الكبار من الرجال والنساءعلى السواء، والاهتمام بالتوعية وبرامج الإرشاد والتوجيه الاجتماعي والنفسي فيالمدارس والمؤسسات الاجتماعية وبذل مزيد من الاهتمام بالبرامج التعليمية والتأهيليةوبوســـــائل الإعلام المختلفة فضلاً عن الاهتمام بدور المسجد في التوعية والحاقمراكز إرشادية وتعليمية وثقافية بالمساجد العامة، والاهتمام بتخطيط المناطقالعشوائية وتزويدها باحتياجاتها من المرافق والخدمات العامة.
أما نحن فنبتهل إلى الله أن تجد الأسرة مكاناً آمناً يحتوي مشكلاتها في زمنمتسارع بدأت فيه العولمة تدق أجراس التغير ولا بد من إحداث التوازن لئلا تختلالقواعد المثلى لتأسيس الأسرة في المجتمع.
http://www.alriyadh.com/2002/10/20/article25198.html









رد مع اقتباس
