صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 17

الموضوع: :: فقــه تغيير المنكــر::

  1. #1
    مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    الدولة
    جدة
    المشاركات
    1,906

    Lightbulb :: فقــه تغيير المنكــر::

    فقه تغيير المنكر

    كــتاب قيم لـ "د / محمود توفيق محمد سعد"

    تقديم بقلم : عمر عبيد حسنة

    الحمد لله القائل : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } .. ( آل عمران : 110 ) ، الذي جعل خيرية هذه الأمة وتميزها ، وقوامها ، وكيانها ، وخلودها ، واستمراريتها ، منوطا بقيامها بالحق ، والدعوة إليه ، والنشر له ، والإغراء به ، واستمرار حراسته ، والدفاع عنه ، حيث لم يرض الله لها ـ وهي أمة الرسالة الخاتمة ـ أن تكون صالحة بذاتها ، بل لا بد أن تكون صالحة بذاتها ، مصلحة لغيرها ، مضحية في سبيل تمكين الحق ، مدافعة للباطل ، حتى تستحق صفة الخيرية ، والتميز ، والفضل .
    قال تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } ( المائدة : 8 ) .

    ذلك أن الخاتمية تعني فيما تعني : توقف النبوات : وتوقف النبوة ، يعني : توقف التصويب من السماء ، لأي منكر وخروج وانحراف ـ لذلك لا بد من أن تكون القوامة على الحق ويكون التصويب مستمرا ، لأن الشر من لوازم الخير، والمنكر من لوازم المعروف ، والتدافع بين الخير والشر ، والمعروف والمنكر ، من سنن الله الاجتماعية في الخلق ، قال تعالى : { كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ } ( الرعد: 17 ) . وقال : { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا } .. ( الحج : 40 )

    ولولا هذا الضرب ، بين الحق والباطل ، وهذا التدافع ، بين الخير والشر ، لتوقف التاريخ ، وانتهت الحياة ، وتوقف الاختيار ، ولم يبق أي معنى للتكليف وأي مدلول للابتلاء ، لذلك جعل الله التصويب في الرسالة الخاتمة ، وفي أمة الرسالة الخاتمة ذاتياً ، يمارس في ضوء قيم وهدايات وثوابت الوحي ، وجعله تكليفاً شرعياً ، يتحدد بمقدار الاستطاعة ، وسبيلاً لاستمرار الأمة ، ومناط خيريتها ، وتميزها ، كما أسلفنا .
    ذلك أنه لا معنى لخلود الرسالة ، الذي يعني استمرار الحق ، واستمرار حراسته ، والقيام به ، وتقديم النماذج التي تجسدها في كل زمان ومكان ، إِذا لم يستمر التصويب ويستمر التجديد وإنتاج النماذج وتستمر الأمة القائمة به .

    الصلاة والسلام علي الذي بُعث في الأمة رسولاً منها ، يتلو عليها ، آيات الله ، ويزكيها ، ويعلمها الكتاب والحكمة ، ويضع عنها إِصرها والأغلال التي كانت عليها ، يشهد عليها ، ويصوب مسارها لتتحقق لها صفة الخيرية ، وتتأهل بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم عليها ، لتكون شهيدة على الناس إلى قيام الساعة ، فهي أمة القيادة بما أورثها الله من الكتاب ، واصطفاها له ، لأنها وحدها التي تمتلك الإمكان الحضاري ، إمكان التصويب ، بما اختصت من قيم السماء الصحيحة ، وتمتلك الشهادة على الناس ، ولهم ، بما تحقق لها من شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } ... ( الحج : 78 ) .
    وبعد :

    فهذا كتاب الأمة الحادي والأربعون : (( فقه تغيير المنكر )) للدكتور محمود توفيق محمد سعد ، الأستاذ في جامعة الأزهر ، في سلسلة كتاب الأمة، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات ، بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر ، مساهمة منه في استرداد شخصية المسلم المعاصر المتوازن الذي يعيش التوحيد الحقيقي والانسجام العملي ، بين معارف وهدايات الوحي المعصوم في الكتاب والسنة ، ومدارك ومكتسبات العقل ، أو بين صحيح المنقول ، وصريح المعقول ، كما يقول الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ويتخلص من الثنائية وألوان الشرك الذي يؤدي إلى الانشطار الثقافي والمعرفي ، الذي كان ولا يزال وراء التمزق والضلال الثقافي ، للوصول إلى إعادة إخراج الأمة المسلمة ، وتحقيق شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم عليها ، وبناء خيريتها ، لتكون مؤهلة للشهادة على الناس والقيادة لهم ، هذه الخيرية التي تجيء ثمرة لتكليف ، ومجاهدة ، ومعاناة ، وتضحيات في سبيل التصويب والمناصحة ، التي تحققها حسبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لتقويم سلوك المجتمع المسلم بشرع الله ، وحمل الرحمة للإنسانية جمعاء ، وإيقاف تسلط الإنسان على الإنسان الذي هو مصدر الشر

    والشرك في العالم ، وتأمين حرية الإنسان في الاختيار ، وتحقيق عبوديته لله ، وتحريره من سائر العبوديات ، وفي ذلك استرداد لإنسانيته ، وتحقيق لكرامته ، التي تميزه عن سائر المخلوقات .

    وهـذه كـانت المقدمـة.... تابعوا معي الـفصل الأول "التغيير ضرورة وغاية".

    "

    ياربّ الطمأنينة التي تملأُ قلبي بذكرك..


  2. #2
    مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    الدولة
    جدة
    المشاركات
    1,906

    افتراضي


    الفصل الأول
    "التغيير ضرورة وغايةً"

    إن منهج الإسلام في بناء المسلم عقيدةً وسلوكا لا يرمي إلى أن يجعله صالحاً في نفسه فحسب ، بل يتجاوز ذلك إلى أن يجعله الصالح المصلح ، فيه يتحقق الوجود المتمكن للأمة المسلمة ، وبه ترتقي الأمة من طور الاتصاف ( بالإسلامية ) انتساباً إلى أفق ( المسلمة ) سلوكا ووجودا .
    المسلم الصالح في نفسه فحسب ، به تكون الأمةُ الإسلامية ، ولا تقوم به الأمة المسلمة ، فإنَّ المسلمة أمة صالحة في نفسها مصلحة ما حولها . ومن ثمَّ كانت دعوة الإٍسلام رامية دائماً إلى الصلاح والإصلاح معاً ، ولن يكون إصلاح البتة إلا بتحقق الصلاح الذاتي وتمكنه .
    يقول الله تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ( التوبة : 71 ) .
    { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا } ( طه : 132 ) .
    { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }{ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } ( الحج :40ـ 41 ) .
    { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } ( التحريم : 6 )

    في تلك الآيات وغيرها يمتزج الصالح بالمصلح ليشكل كنه المسلم الذي به تقوم الأمة المسلمة ، التي لا تستقيم حركة الحياة بغير قيادتها وريادتها .
    وفي السنة أحاديث كثيرة ، يمتزج فيها الصلاح بالإصلاح :
    ن درة بنت أبي لهب ، قالت : « قام رجُلٌ إلى النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو على المنبر فقال : يا رسول الله ! أيَّ الإسلام خير ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : خير الناس أقرؤهم وأتقاهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم » . امتزج الصلاح الذَّاتي ( أقرؤهم وأتقاهم ) بالإصلاح الجمعي ( آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر ، وأوصلهم للرحم ) ، فليس ( الإقراء ) حسن التلاوة والحفظ فحسب ، بل هو إلى ذلك أيضا : حسن فقه ما يقرأ ، وحسن تطبيقه وطاعة ما به أمر وعنه نهي .
    فالأمة المسلمة لا يكون المرء فيها صالحاً في نفسه ، منصرفا عن غيره، مشتغلا بحاله ، بل هو صالح في نفسه ، ومصلح لما حوله ثانيا : إنسانا وكونا .
    والحق عز وجل جعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس بصلاحها وإصلاحها معاً : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } ( آل عمران : 110 ) .

    فهي أمة أخرجت للناس ، أي لما فيه صالحهم ، وقد جعل قوله : { تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ } ... إلخ شرط هذه الخيرية، وبيان كونها أخرجت للناس ولمصلحتهم . وقد فقه الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ذلك فقها بالغاً ، فتحققت بهم فقها وسلوكاً الأمة المسلمة ، كما يحبها الله تعالى : عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ قال : لو شاء الله لقال ( أنتم خير أمة ) فكنا كلنا ولكن قال (كنتم) فهي خاصة لأصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن صنع صنيعهم ، قوله ( من صنع صنيعهم ) : بيان أن من تحقق فيه كما تحقق في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاح والإصلاح في القرون التالية إلى يوم القيامة ، فهو منهم .
    وقد فسرها أبو هريرة أيضا تفسيرا كاشفا عن حقيقة هذه السِّمة الرافعة للأمة من طور ( الإسلامية ) ، إلى أفق ( المسلمة ) :
    روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال : خير الناس للناس : تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم ، حتى يدخلوا في الإسلام.

    يس في هذا دعوة إلى إكراه الناس على الإسلام ، وقسرهم عليه ، فإن سيدنا أبا هريرة أفقه وأحكم من أن يفسرها تفسيراً يصطدم مع قول الله تعالى :
    { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } ( البقرة : 256) .
    ولكنه فسرها تفسير أهل الحكمة والبلاغة العالية : إنه يريد ، إنكم تكونون خير الناس للناس ، إذا ما دعوتموهم إلى الإسلام بالحكمة والقدوة والأسوة والسلوك الملتزم هدي الله تعالى في كل حال ، وبالحلم والأناة والصبر والمصابرة فتأسرونهم وتأخذون بمجامع قلوبهم وعقولهم فقهاً وسلوكاً ، فينقادون لكم وللدخول في الإسلام إعجاباً واقتناعاً ، كانقياد الأسير المغلول في السلاسل ، فهو أسر دعوة وقدوة وأسوة ، لا أسر أغلال وأصفاد ، فسيدنا أبو هريرة عليم بأن قسر امرئ على عقيدة ما ، لا يكون خيراً له ، ولو أنه أراد ظاهر عبارته لكان صدرها متناقضاً مع عجزها ، كما لا يخفى ، وأبو هريرة ، أحكم من أن يختلط عليه ما يقول .
    ففي الآية بيان حقيقة الأمة المسلمة ، وقوامها : فعل الخير والدعوة إليه والإعانة عليه ، وترك الشرِّ والنهي عنه ، حتى تستقيم حركة الحياة ، فإن بذلك بقاء الحياة وصلاحها ، ولذلك جعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحياة في هذه الأرض كمثل الحياة في سفينة تمخر عباب البحر ، لا نجاة لها ، ولمن فيها ، إلا بالدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والأخذ على أيدي المفسدين .

    تـابعوا معي "بيان السنة ضرورة التغيير"
    "

    ياربّ الطمأنينة التي تملأُ قلبي بذكرك..


  3. #3
    مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    الدولة
    جدة
    المشاركات
    1,906

    افتراضي


    "بيان السنة ضرورة التغيير"

    عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : « مثل القائم على حدود الله والواقع فيها ، كمثل قوم استهموا على سفينة ، فأصاب بعضهم أعلاها ، وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها ، إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ، ولم نؤذِ من فوقنا ، فإن يتركوهم وما أرادُوا هلكُوا جميعا ، وإن يأخذوا على أيديهم ، نجوا ونجوا جميعا » .
    الصورة التي يقدمها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لواقع الحياة على هذه الأرض ، وعلائق الناس فيها ، ببعضهم ، ومسؤوليتهم في الحفاظ على بقائها وصلاحها صورة منتزعة من واقع مشاهد ، لا يتأتى لأحد أن يجادل ، أو يتوقف فيه البتة ، فلن يكون منه إلا التسليم بما ينتهي إليه التصوير والمقارنة والموازنة ، من هدي يأخذ بأيدي الناس إلى التي هي أهدى وأقوم ، اقتناعا واطمئنانا ، فينقادون إليه انقياد ذي الأغلال ، إلى خير ، يرمى به إليه .

    شبه الرسول صلى الله عليه وسلم ، القائم على حدود الله تعالى ، المراقب لها ، الواقف عند حماها في جميع شأنه ، والواقع فيها ، الراتع المنهمك المستمر في انتهاكها ، فلا يرعوى ، يشبه هذين الصنفين ـ وفي رواية لأحمد يضيف إليهم المداهن في حدود الله . المصانع المنافق ، المزين لانتهاك الحرمات ، الساكت عن ذلك . الانتهاك ، تحت ستار الحرية ـ يشبه هذه الأصناف الثلاثة وعلائقهم ببعضهم على ظهر هذه الأرض ، بقوم شاءوا السفر في سفينة تمخر عباب البحر ، فكان بينهم استهام المنازل واقتسامها ، فكان لبعضهم أعلاها ، وكان لبعضهم أسفلها ، وهو أوعرها وشرها كما في رواية لأحمد ـ وكذلك منازل الناس في الحياة على هذه الأرض ـ وكان الذين في أسفلها في حاجة إلى أن يستقوا ماءً ، فإذا استقوا مرّوا على من فوقهم ، النازلين اقتراعاً أعلى السفينة ، فكان ضرورة أن يَصُبّّ الأسفلون عند مرورهم على الأعلين ، فتأذى الأعلون ، وفي رواية للترمذي وأحمد « فقال الذين في أعلاها : لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا » فثقل ذلك على الأسفلين : كما في رواية لأحمد « فقال الأسفلون : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا فاستقينا منه ولم نمرَّ على أصحابنا فنؤذيهم » ،وفي رواية للبخاري : « فأخذ فأساً فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا : ما لك ؟ فقال : تأذيتم بي ولابد لي من الماء » وهنا برز صنيع المداهنين المصانعين ، الذين يبغون الفتنة في الأرض ، تحت شعار الحرية الشخصية ، فقال بعضهم كما في رواية للإمام أحمد : « إنما يخرق في نصيبه » ، وقال الآخرون : لا ، فإن أخذوا على يدي ذلك الخارق ، ولم ينخدعوا بمقاله المداهن، الرافع شعار (( الحرية الشخصية )) نجا الجميع ، وإِن تركوه يخرق في نصيبه خرقاً هلكوا جميعاً.
    هذا التفصيل لوقائع الأحداث في المشبه به ( أصحاب السفينة ) يشير إلى وقائع مثلها في حياة الناس ، في هذه الأرض .
    والرسول صلى الله عليه وسلم ـ اختار موقع أحداث المشبه به سفينة ، وهو مكان دال على عظيم تعرضه للمخاطر الجسام ، التي لا تخفى ، ليهدي الناس إلى أنَّ هذه الأرض ، وما عليها ، لا تقل تعرضاَ للمخاطر الجسام عما تتعرض له السفينة في بحر لجيَّ ، قد تكون خطايا بعض ساكنيها سببا لهلاك جميعهم حين لا يأخذون على أيديهم .

    قال تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }{ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } (الأنفال : 24 ـ 25 ) .

    يتــبع هذا الجزء..
    "

    ياربّ الطمأنينة التي تملأُ قلبي بذكرك..


  4. #4
    مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    الدولة
    جدة
    المشاركات
    1,906

    افتراضي

    الـــتكــملة


    هذه الصورة الكلية التي رسمها النبي صلى الله عليه وسلم ، ببيانه الحكيم تجمع بين واقعين متشابهين متماثلين : واقع ممتد عبر الحياة زماناً ومكانا ، هو واقع القائمين على حدود الله ، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وواقع الواقعين فيها ، التاركين للمعروف ، المرتكبين للمنكر ، وواقع المداهنين المصانعين في الحق ، الساكتين على الشر ، يقابل ذلك الواقع واقع قريب إلى الأذهان والأبصار لا يكاد يغفل عنه ، أو يجهله أحد من الناس ، هو صورة المشبه به : صورة تجعل المتلقي كأنه يرى الأحداث تجري أمام عينيه : يرى سفينة في بحر لجيّ ، يقبل قوم على الإبحار فيها ، ويرى تقاسم القوم ، واستهامهم مواقع فيها ، فإذا قوم في أعلاها ، وقوم في أسفلها . هكذا تبدأ الأحداث ، دون أن يكون فيها ما يخرجها عن سنن العدالة ، وكذلك تبدو الحياة على الأرض ، ثم تأتي ضرورات الحياة وحاجاتها ، وأثرها في مجرياتها ، وعلائق الناس بعضهم ببعض وفقا لمناهجهم في التعامل مع تلك الضرورات والحاجات ومن تكون عندهم ، فالأعلون ممتعون بالاستقاء دونما حاجة إلى مرور على غيرهم ، فتتحقق ضروراتهم وحاجاتهم دونما اصطدام بالآخرين وكذلك طائفة من الناس في هذه الحياة .
    والأسفلون يقتضي تحقيقهم ضرورات حياتهم ومصالحهم المرور على غيرهم والاصطدام بهم ، فإذا هم أمام أمرين عظيمين :
    · ضرورة تحقيق ضروراتهم وحاجاتهم .
    · ضرورة الاتصال بالآخرين والاحتكاك ببعض شؤونهم .
    وتلك حال الجمهرة الكاثرة من الناس في هذه الحياة ، وهنا تكون الحكمة والحنكة ، وتقدير الأمور بمقاديرها ، وفقاً لما يقضي به حسن البصيرة والفراسة ، واستبصار العواقب من الأسفلين ، ومن شاكلهم ، وهنا يكون الإيثار والصبر الجميل ، والاحتساب والفضل من الأعلين ، ومن شاكلهم .
    الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هديه هذا يرسم لنا صورة لما هو الغالب على الطائفتين في الحياة : الأعلين والأسفلين ، فلا أيثار ولا احتساب ولا فضل من الأعلين ، ولا حكمة ولا حسن بصيرة من الأسفلين . فيصور لنا الأعلين ، وقد تأذوا من مرور الأسفلين عليهم ، والمرور حقهم وضرورة من ضروراتهم ، فكان هذا من الأعلين غير حميد .

    إِنَّ اقتسام الأشياء عدالة وارتضاء ، لا ينفي أن يكون للآخرين بها بعض الحق ولو من وجه خفي ، فليس الذي يملكه هذا ، بِخال من حق الآخرين فيه ، فكل أمر الإنسان وشأنه وماله من الموجودات حساً ، ومعنى ، لغيره فيه بعض الحق : جسده وعقله وقلبه ، ماله وولده وعلمه ، تقواه وقدره وجاهه ... إلخ .
    وما يكون لأحد ، ولا ينبغي له أن يتبرم من أن يستعمل الآخرون ما لهم من حق ، فيما ملكت يده بفضل الله تعالى . وغير قليل من الناس تضيق نفوسهم حين يطلب الآخرون حقوقهم عندهم ، فترتسم آيات الضجر على الوجوه ، وقد تلفظ الأفواه كلماتٍ طاعنات ، وقد تمتد الأيدي ، بما يؤذي الطالبين حقاً لهم ، وما ذلك بالمنهج الأمثل في الإسلام .
    الأمثل إسلاماً ، إظهار البشاشة والرضا ، حين يطلب الآخرون حقوقهم ، بل من حقهم على من تكون حقوقهم في أيديهم ، أن يبثوا في نفوسهم رضاهم باستخدام حقهم المتعلق بما ملكت أيديهم ، ويوحون إليهم ، أن أخذه منهم أحبُّ إليهم ، أو كمثل حبهم هم ، أن يأخذوا ما لهم عند غيرهم ، فقد هدى النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله : « لا يؤمن أحدكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه » .
    وفيما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من حال الأعلين ، تصوير لما يكون من بعض الأمة من دافعات إلى الخطايا ، وإن كثيراً مما يقترفه الجاهلون ، يحمل جمع من غيرهم أوزار حملهم عليه واضطرارهم للتردي فيه ، بما يكون منهم ، من أساليب حاملة على ذلك . منها ما هو مقصود ، ومنها ما هو عن غفلة وجهالة.

    يــتبع هــذا الجزء..
    "

    ياربّ الطمأنينة التي تملأُ قلبي بذكرك..


  5. #5
    مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    الدولة
    جدة
    المشاركات
    1,906

    افتراضي

    التكمـــلة

    من مسؤولية الأعلين ومن ضارعهم في الأمة ، أن يعتصموا من حمل غيرهم على التردي في الخطايا .
    الغني حين يمتنع عن أداء زكاة ماله ، أو يتأخر في إخارجها ، يحمل بعض الفقراء على التردي في بعض الخطايا : سرقة ، أو استجداءً أو احتيالاً ، فتُخرَقُ السفينة .
    الزوج حين يحرم زوجه من بعض حقوقها الحسية والمعنوية ، يحملها على أن تسقط في مستنقع النشوز أو الخيانة ، فتُخرقُ السفينة .
    الأب حين يحرم بنيه بعض حقوقهم ، يحملهم ، على التردي في هاوية العقوق ، فتُخرقُ السفينة .
    المعلم حين يحرم تلاميذه بعض حقوقهم ، فلا يحسن إعداد نفسه علماً وصنعة ، ولا يخلص في تعليمهم ، يحمل بعضهم على أن يختلس العلم ، أو يسرقه عند اختباره ، فتُخَرقُ السفينة.
    ولي الأمر الأعلى حيث يحرم شعبه حقه عليه ، في أن يحكمهم بما شرع خالقهم ، لا بما شرعه هو ، وبطانته ، يحملُ شعبه أو بعضه على أن يخرق السفينة خرقاً لا يكاد يصلح : يسقط حبه وهيبته والثقة فيه من نفوسهم ، وتمتلئ القلوب والعقول كرهاً وادعاء خيانة ، فيسهل على الدهماء الخروج عليه ، فيفسدون في الأرض ، فتُخرَقُ السفينة . والمسؤول عن ذلك هو ولي الأمر وبطانته ، إذ منع شعبه حقه .. وإذا ما كان الدال على الخير كفاعله فإن الحامل لغيره على الشر كفاعله .. وما خرجت أمة قط على إمام عدل ، فالعدل أساس الملك ، ولا يكون عدل البتة إذا لم يك وفقاً لما أنزل الله عز وجل .
    إن الحكمة لتقتضي بأن ليس الصلاح أن لا تفعل الشر ، بل وألا تحمل الآخرين عليه ، بل وأن تعينهم على الاعتصام من التردي في خباله .
    والرسول صلى الله عليه وسلم يصور لنا حال الأسفلين في السفينة بين شقي الرحى : حاجتهم إلى الماء ، وهو ضرورة الضرورات ، وتأذي الآخرين من المرور عليهم .
    فإذا بالبصائر تغشى فلا تقدر الأمور قدرها ، ولا تتفرس في الواقعات عواقبها ، فينظرون في أخف الضررين فيحتملونه .
    وقد كشف لنا النبي صلى الله عليه وسلم ما هو غالب على الدهماء حينذاك: الافتتان بحق الملكية والحرية الشخصية ، التي يظن أنها المطلقة اليد ، تفعل فيما تملك ما تشاء ، فيرين على الألباب ، ما يطمس نورها ، فتهتف الضلالة فيهم : « لو خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا » .
    كلمات تقال ، تحمل في ظواهرها طيب المقاصد ، وحسن الدوافع ( في نصيبنا ) ( لم نؤذ من فوقنا ) كلما فاتنة ، تلقي بالغشاوة على البصائر فلا تنفذ في عقبى الأشياء ، ولكن من تحت تلك الكلمات الطامة ، التي لا تبقي ولا تذر .
    كلمات هي أصل الداء ، وجرثومة الفساد ، في كثير من الحياة . كلمات يغشى بريقها البصائر فلا تفقه كنهها ، ولا يفقه قائلوها فلسفة الامتلاك في الإسلام : ليس المرء بمطلق اليد فيما يملك بفضل الله تعالى . ثم يزعم أنه يفعلها لكيلا يؤذي غيره ، وهو في حقيقة فعله لا يؤذي فحسب ، بل هو يدمر ويمحق .
    حين يستقيم تصور الإنسان حقائق الامتلاك في الإسلام ، تستقيم حركته وسلوكه فيما يملك ، فيعلم أن لحرية التصرف فيما ملكه الله تعالى ، حداً يقف عنده ، لا يتعداه ، لأن في تعديه ضربا من الاعتداء على الآخرين .

    « عن سمرة بن جندب أنه كانت له عضدُ من نخله في حائط رجلٍ من الأنصار ، قال ومع الرجل أهله . قال فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشق عليه ، فطلب إليه أن يبيعه ، فأبى ، فطلب إليه أن يناقله ، فأبى ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر له ، فطلب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعه فأبى ، فطلب إليه أن يناقله ، فأبى ، قال : (( فهبه له ، ولك كذا وكذا )) أمراً رغبة فيه فأبى ، فقال : (( أنت مضار )) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصاري : (( اذهب فاقلع نخله » .
    فهدى النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنَّ حرية تصرف المرء فيما يملك غير مطلقة ، بل تحكمها ترك المضارة ، سواء ما كان منها جهالة ، وما كان منها عمداً .

    يـتـبع هذا الجزء
    "

    ياربّ الطمأنينة التي تملأُ قلبي بذكرك..


  6. #6
    مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    الدولة
    جدة
    المشاركات
    1,906

    افتراضي




    إن حال أهل السفينة كما صوره الرسول صلى الله عليه وسلم من الجلاء والبديهة العقلية والمسلمة الفطرية ما يجعله بعيداً عن الجدال ، أو التوقف فيه ، وهذا ما يجعل إقامته مقام المشبه به حال الدنيا ومن فيها : علائق ومسؤولية ، حقاً وواجباً ، أمراً يستوجب التسليم المطلق ، بأن حكم العقل في حال الدنيا ، ومن فيها ، حكم السفينة وأهلها : علائق ومسؤولية ، وحقاً واجباً ، وأن التوقف في ذلك خطيئة عقلية تقذف بصاحبها خارج أفق الإنسانية ، فإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم من بعد أن أبان علاقة القائمين على حدود الله في الدنيا ، بالواقعين فيها ، وبالمداهنين ، قد أقام الحجة على كل ذي عقل ، أنَّ صلاح المرء في نفسه غير كاف ، بل فريضة عليه أن يكون صالحاً ، وأن يكون مصلحاً ما حوله ، قائماً بالاحتساب والرقابة الراشدة على ما حوله ، فلا يدع أيدي العابثين ممتدة بالشر .

    فأقام الإنسانية أمام فريضة تغيير المنكر ، ومنع أهله منه ، والأخذ على أيديهم أيَّا كانت نياتهم ومقاصدهم ، قياماً لا تستطيع الفكاك منه ، والتخلي عنه ، أو التوقف فيه ؛ لأن في هذا التوقف والتخلي إخراجاً لها من أفق الإنسانية المسلمة وقذفا بها في حمأة الجاهلية وخبالها .
    وهو صلى الله عليه وسلم باختياره عناصر المشبه به على هذا النحو ، أبلغ في هدي الأمة إلى أنَّ فريضة تغيير المنكر ضرورة حياة ، لا ينظر فيها إلى دوافع فعل المنكر ونوازعه ، فإن كثيراً من الماحقات قد يكون مبعثها حسن نوايا الجاهلين الحمقى .
    إن حسن النية وحده ، لا يثمر خيراً ولا يهدي إليه ، إلا إذا كان هذا الحسن ثمرة علم وفقه ، وحكمه وبصيرة ، فأغلق بذلك البيان الباب ، في وجه من يتوانى عن تغيير المنكر الواقع اغتراراً بحسن نوايا فاعليه .
    وأغلقه في وجه من يتوانى عن التغيير ، اغتراراً بالحرية الشخصية ، التي بدت في قول المداهنين (( إنما يخرق في نصيبه )) .

    هذه المقابلة الإبليسية ( إنما يخرق في نصيبه ) إنما يرفعها لواءاً جمهرة من المداهنين المرجفين في المدينة ، يدلسون بهذه الأغلوطة الإبليسية ( الحرية الشخصية ) على الدهماء ، الذين يلهثون خلف كل ناعق ، بما يرفع عنهم تكاليف الصلاح والإصلاح ، ويبهرج لهم أغلوطاته ، بما تشتهيه نوازع الحيوانية فيهم . فما من مذهب فلسفي أو سياسي أو اجتماعي أو فني ، أراد أن يضرب في الأمة المسلمة فيوهي بنيانها ، فيصرف الناس عن الاستمساك بالهدي ، إِلا رفع شعاراً ( أغلوطة ) الحرية الشخصية : إنما يخرق في نصيبه.
    هذه المذاهب وإن تغايرت وتناحرت فيما بينها ، منهجاً وحركة ، فالذي يوحد بينها الرغبة الجموح ، في صرف الناس عن التعاون على تحقيق الوجود المتمكن للأمة المسلمة ، فلا تجد فتنة في الناس أسرع وأنكى من أغلوطة الحرية الشخصية.
    جاء في ميثاق إِبليس : بروتوكولات حكماء صهيون :
    (( كذلك كنا قديماً ، أول من صاح في الناس : (( الحرية والمساواة والإخاء )) ، كلمات ما انفكت ترددها منذ ذلك الحين ببغاوات جاهلة ، متجمهرة من كل مكان حول هذه الشعائر ، وقد حرمت بترددها العالم من نجاحه ، وحرمت الفرد من حريته الشخصية الحقيقية ، التي كانت من قبل في حمى يحفظها من أن يخنقها السفلة )) .
    (( إن كلمة ( الحرية ) تزج بالمجتمع في نزاع مع كل القوى حتى قوى الطبيعة وقوة الله )) .
    وإذا ما كان النبي صلى الله علي وسلم قد هدى حين أخبر أنه ستكون فتنةُُ ، فسأله الصحابة: فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : « كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله » ، وهو ما استند إليه وإلى غيره من آيات الله والحكمة ، أهل العلم والدعوة فتنادوا مخلصين : الإٍسلام هو الحل ، إذا ما كان ذلك فإن المرجفين في الأمة الساعين في الأرض فساداً يرفعون شعاراً (( الليبرالية هي الحل )) على الرغم من أن (( الليبرالية قد اتخذت الحرية المطلقة الأساس شبه المقدس لها )) ، ومن الحرية اشتق لها اسمها الكاشف عن حقيقتها وكنهها .

    ما (( الليبرالية )) في حقيقتها إلا رفض سلطة الدين في شؤون الحياة عقيدة وشريعة ومنهج حياة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ، وإن حاول بعض دهاقنتها ، خداع الدهماء ، في بيان حقيقتها ، بما لا ينفرهم منها ، فيبهرجونها في بادئ الأمر لهم ولا يقدمون لهم ، في مفتتح دعوتهم لها ، ما يمكن أن تنتبه له بعض عقول الدهماء فينصرفوا عنها .
    يزعم دهاقين (( الليبرالية )) الخارجة من عباءة (( الماسونية )) ، أن (( الليبرالية )) دعوة إعلاء شأن الفرد وحريته في الاختيار ، والانتماء ، والملكية ، والقرار ، وحقه في المشاركة في عقد اجتماعي ، يرتضيه في ظل مجتمع ، يوفر كافة ضمانات الحرية بأشكالها الديمقراطية والتوازن الطبيعي في المجتمع )).
    كلمات يغشون بها على عقول كثير من الدهماء ، فيتمكنون منهم ويسعون بهم إلى تقويض الوجود المتمكن للأمة المسلمة ، ومن خلال تبني سياستهم القائمة على (( إطلاق الحرية الدينية كاملة ، وعادلة ، ومتساوية ، وبلا انحياز ، وأن الدولة مهمتها توفير الحرية لكل الأفراد ، وحماية مصالحهم المدنية ( كذا) وملكياتهم الخاصة ، وعلى السلطة عدم التدخل في الشؤون الدينية إلا إِذا كانت بعض الأعمال التي يقوم بها أصحابها بدعوى الدين ، تعد محرمة أو مجرمة أصلاً لأسباب غير دينية )) .

    يتــبع...
    "

    ياربّ الطمأنينة التي تملأُ قلبي بذكرك..


  7. #7
    مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    الدولة
    جدة
    المشاركات
    1,906

    افتراضي


    الفصل الثاني
    التغيير ضرورة وغاية


    إن وجود المنكر في المجتمع أمر طبيعي ، لا يخلو منه مجتمع في أي حقبة من حقب الحياة ، ولكن الذي ليس من الطبيعي أن يرى أبناء المجتمع المنكر ، فلا يسعون إلى تغييره (!) ، وفي التغيير بقاءُ الحياة على النحو الذي يحبه الله عز وعلا .
    ولما كانت غاية تغيير المنكر عظيمة ، وكان فريضةً وضرورة حياة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين منهاج التغيير وآلياته ووسائله ، والضوابط والآداب ، حتى لا تضل الأمة في قيامها بتلك الفريضة ، فتسلك بها غير السبيل القويم ، أو تتخذ وسيلة غير التي تكون لها .

    وبيان النبوة لوسائل (( تغيير المنكر )) وضوابطه ، يقيم الأمة على المحجة البيضاء ولا يبقي لها عذراً في التقاعس أو التكاسل عن القيام بهذه الفريضة ، فكان البيان شافياً شاملاً ، لا يكاد يفلت منه واحد من الأمة ، مهما كان موقعه في الحياة ، ومهما كانت قدرته واستطاعته ، مما يدل على أن منزلة (( تغيير المنكر )) ، من مقومات شخصية المسلم ، الذي به قيام الأمة المسلمة .

    تابعــوا معي "بيان النبوة وسائل التغيير"
    "

    ياربّ الطمأنينة التي تملأُ قلبي بذكرك..


  8. #8
    مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    الدولة
    جدة
    المشاركات
    1,906

    افتراضي


    بيان النبوة وسائل التغيير

    (( عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان » ( رواه مسلم ) .
    الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي رواه (( مسلم )) والأربعة وأحمد قد بين السبل ، التي يسلكها المرء إلى التغيير ، فصدّوه بقوله : « من رأى منكم منكرا فليغيره » ثم بين آلات التغيير وسبله من بعد ذلك ، ناظماً لها نظماً أولياً ، فلا يتخلى المرء عن سبيل ، إلى الذي بعده ، إلا إذا أعذر نفسه ، وأيقن أن ليس في طوقه القيام بالتغيير من خلال السبيل الذي ترك .
    ولبيان ما هدى إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بياناً مفصلاً يجلّي الدقائق ويحرر القول ويفصل المشتجرات حتى لا يبقى عذر لمعتذر ، سيكون بياننا على النحو التالي :
    · بيان المنكر : حقيقته وشروطه ..
    · بيان المغَيَّر : شروطه وآدابه .
    · بيان ذي المنكر وشروطه .
    · بيان وسائل التغيير : شروطها وآدابها .
    "

    ياربّ الطمأنينة التي تملأُ قلبي بذكرك..


  9. #9
    مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    الدولة
    جدة
    المشاركات
    1,906

    افتراضي


    بيان المنكر الواجب تغييره : الحقيقة والشروط
    كلمة ( منكر ) بضم الميم وسكون النون ، وفتح الكاف ( مُفْعَل ) مثل ( مُكرم ) اسم مفعول من ( أُنكرِ ) المبني لما لم يسم فاعله ، أي جُهِل ولم يعرف .
    وقد اختلفت عبارة أهل العلم في بيان حقيقة المنكر ، فمنهم من عرَّفه بما هو أعلى صوره ، ومنهم من عرفه ببعض صوره ، فلم تكن التعاريف كاشفة عن حقيقة وماهية المنكر الواجب تغييره .
    ذهب (( أبو العالية )) إلى أن المنكر عبادة الأوثان ، وهذا أعلى أنواع المنكر ، ولا يتصور أنه يقصر حقيقته عليه ، فإنه من العلم والحكمة بمكان عظيم .
    ومساق الحديث من رواية (( أبي سعيد )) ، دالُُ على أن المنكر الذي قام رجل لتغييره ، ليس من عبادة الأوثان ، وإنما هو تقديم خطبة العيد على الصلاة .
    ولذلك قال (( الفخر الرازي )) : رأس المنكر الكفر . فجعله رأس المنكر ، وما عداه من الكبائر دونه وداخل في المنكر .
    وقال الجصَّاص في (( أحكام القرآن )) : المنكر هو ما نهى الله عنه .
    وقال الألوسي : المنكر المعاصي التي أنكرها الشرع .
    وقال علي القاري : المنكر ما أنكره الشرع وكرهه ولم يرض به .
    وقال الراغب الأصفهاني : (( المنكر كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه ، أو تتوقف في استقباحه واستحسانه العقول ، فتحكم بقبحه الشريعة )) .
    والذي نذهب إليه أن (( المنكر )) الذي يجب على الأمة تغييره ، هو ما خالف الشرع كتاباً وسنة مخالفة قاطعة .
    وسواء في هذا ، أن تكون المخالفة لما أمر به الشرع إيجاباً أو لما نهى عنه تحريماً ، وسواء كانت المخالفة تركاً بالكلية ، لما أمر به الشرع أو زيادة عليه بغير نص ، أو نقصاً منه بغير عذر ، أو تغييراً فيه ، أو تبديلاً في ذاته ، أو فيما يتعلق به زماناً أو مكاناً أو كيفية أو وسيلة . فكل مغايرة ذاتية أو عريضة فيما أمر به الشرع هي منكر ، ومثل ذلك تماماً المخالفة بالفعل لما نهى عنه ، مخالفة كلية أو غير كلية .. إلخ .
    وسواء في هذا ـ أيضاً ـ أن يكون الأمر أو النهي تصريحاً ، أو تلويحاً ، تفصيلاً أو إجمالاً .
    تلك حقيقة المنكر الذي يجب على الأمة تغييره ،
    وهو يشترط فيه شروط أهمها : *أن يكون المنكر متفقاً على إنكاره لثبوته بالكتاب أو السنة ، بحيث لا يكون إنكاره محل خلاف بين أهل العلم الموثوق بهم من ذوي الاختصاص والتقوى فإن كان محل اجتهاد واختلاف ، فليس مما يجب على الأمة تغييره ، بل يكون لمن ذهب إلى أنه منكر على الراجح عنده وأن يدعو إلى تركه من باب النصيحة إلى ما هو الأعلى والأليق بالمسلم .
    وغير قليل من أحكام الشريعة المستمدة من الكتاب والسنة بغير طريق العبارة والمنطوق ، هو مناط اختلاف بين أهل العلم .
    وكل ما أدى إلى منكر محقق هو نفسه منكر ، يجب تغييره ، فمن تيقن أن هذا العنب لا يزرع إلا ليصنع خمراً ، كانت زراعة العنب بهذا الغرض منكراً فوجب تغييره ، ومن تعلم الطب ليؤذي المسلمين ، أو يكشف عورات نسائهم ، كان تعلمه الطب منكراً ، يجب تغييره ... إلخ
    وتحقيق هذا الشرط من الأمور المهمة ، التي قد يتساهل فيها بعض الناس ، فإن تحقيقه على الوجه الصحيح ، لا يكون إلا ممن جمع بين العلم والحكمة ، إذ العلم يحقق له الوقوف على وجوه الدلالة في النصوص ، ووجوه اصطفاءات الأئمة ، والوقوف على دقائق العلم .
    والحكمة تحقق له سعة الأفق ، ونفاذ البصيرة ، إلى عقبى الأحداث ، فلا يغتر برأي فطير ، عليه مسحة من زخرف القول ، أو وهج الحماسة ، واندفاع الشبيبة ، بل يكون له من الحكمة والروية ، ما يجعله يقف على حقائق الأشياء .
    وإذا ما كان تحقيق الوقوف على ما اتفق عليه أئمة أهل العلم ، وما اختلفوا فيه من الكدى التي لا يكاد يجتازها إلا الخاصة فكيف بتحقيق الحكمة مع ذلك ؟ إنَّ غير قليل ممن استطاع التفوق في فقه الدين ، فقه تصور ، ليفتقر إلى كثير من الحكمة في توظيف هذا الفقه ، توظيفاً مثمراً متناغياً مع الفطرة الصافية ، وحركة الحياة المسلمة .
    · أن يكون المنكر موجوداً متيقناً ، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم : « من رأى منكم منكرا فليغيره » فقوله ( رأى ) دال على وجوب العلم بوقوع المنكر ، علماً محققاً ، أو بإقدام صاحبه عليه لا محالة ، كأن يتيقن أنه يدبّر لقتل آخر أو لشرب خمر ... إلخ . وأن الشواهد والقرائن قاطعة بعزمه على إيقاعه ، فإن من المنكر ما يكون تغييره بمنعه منه ، قبل وقوعه ، بأي سبيل من سبل المنع المشروعة ، وهو في هذا يكون أقرب إلى النهي عن المنكر ، منه إلى تغييره ، فإن النهي أعم من التغيير .
    "

    ياربّ الطمأنينة التي تملأُ قلبي بذكرك..


  10. #10
    مشرفة عامة
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    الدولة
    جدة
    المشاركات
    1,906

    افتراضي


    بيان المغِّير المنكر : شروطه وآدابه
    إذا ما كان تغيير المنكر ، عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى ، فإنه يشترك مع بقية العبادات في بعض الفرائض :
    · أن يكون القائم بالتغيير مكلفا ، وأساس التكليف : العقل والبلوغ ، فمن جنَّ عقله ، أو أصابه فيه داء ، فقد أعفي من فريضة التغيير ، ما بقي الجنون أو الداء ، ومن لم يبلغ الحلم ، لا يجب عليه التغيير لمنكر رآه ، فإن كان مميزاً عارفاً بالمنكر قادراً على تغييره صحَّ له أن يغيره ، ولا يجوز منعه من ذلك
    كما لا يجوز حمله على التغيير ، إلا على سبيل تدريبه على الطاعات من قبل وجوبها عليه ، على أن يكون ذلك تحت إمرة وليه .

    · أن يكون مسلماً ، فإنَّ أي عبادة لا تقبل بغير إسلام ، ولا تفرض من قبل الدخول فيه ، فلا يتصور أن تفرض على غير المسلم ، أن يغير ما تنكره شريعة هو لا يؤمن بها ، وإن كان ذلك منكراً في شريعته ، التي يؤمن بها أيضاً ، فنحن غير مكلفين بحمل غير المسلمين على التمسك بشرائع عباداتهم ، التي يتفق بعضها مع بعض ما في الإسلام ، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يحمل يهود المدينة على ترك الربا ، وهو المحرم في توراة موسى عليه السلام ، مثلما هو محرم في الإسلام ، إلا إذا تحاكموا إلى المسلمين ، فيحملون على حكم الإسلام وحده ، لأنهم تحاكموا إليه طواعية .
    فإذا أعان غير المسلم على تغيير المنكر ، أثيب على إعانته تلك ، بما يليق بها من نعم الدنيا ، ولا يصح منعه من أن يعين على ذلك إلا إذا خرق شروط التغيير وآدابه .
    · ولا يشترط مع الإسلام العدالة ، فكل مسلم يجب عليه تغيير المنكر على الوجه الذي هو أهل له ، وليس بلازم أن يكون غير مرتكب للمنكرات . ذلك ما عليه أهل العلم فإن للفاسق بل عليه أن يغير المنكر ، إلا إذا كان لا يقيم الصلوات المكتوبات استهانة أو استهزاء أو إنكاراً لفرضيتها ، فإنه يكون بذلك غير مسلم البتة ، بل هو مرتد ، وهو أدنى منزلة من أهل الكتاب ، فإن استتيب وتاب والتزم ، وجبت إعانته وإكرامه وتأليف قلبه .
    أما إن كان فاسقاً يؤدي الصلاة أو يتركها كسلاً لا استهانة ـ عند بعض أهل العلم ـ فإنه لا يُسقط عنه فريضة تغيير المنكر بسقوطه هو فيه ، فإن الفسق لا يرفع التكليف ، مثلما ترفعه الردّة ، وهذا الفاسق يكون على أحد أمرين :
    - أن يكو مرتكبا منكرا غير الذي يراه من غيره .
    - أن يكون مرتكباً منكراً من جنس ما يراه من غيره .

    إن كان الأول ، فإن تغيير منكر غيره فرض عليه ، ما تحققت فيه بقية شرائط التغيير . فلا يتأثر بوقوعه هو في منكر آخر ، فالواقع في منكر الغيبة مثلاً ، عليه أن يغير منكر سرقة واقع من غيره . فإِننا لو اشترطنا أن يكون القائم بالتغيير خالياً من كل منكر ، فإنا نكاد لا نجد من يتحقق في ذلك ، ولا سيما في عصرنا والعصور القادمة .
    يقول سعيد بن جبير : (( إن لم يأمر بمعروف ولم ينه عن المنكر ، إلا من لا يكون فيه شيء ، لم يأمر أحد بشيء )) فأعجب مالكا ذلك من سعيد بن جبير )) .
    وإن كان الآخر أي المغيِّر ، واقعاً في منكر من جنس ما يراه من غيره ، فإن له حالين : أن يكون غيره عليماً بوقوعه فيه أو لا يكون .
    إن كان عليماً بوقوعه فيه فالأولى تغيير منكر نفسه أولاً ، ولا سيما إذا ما كان التغيير باللسان ، حتى لا يكون السعي إلى التغيير حينئذٍ عقيماً أو عقباه أكثر ضرراً .
    وإن كان غير عليم بوقوعه فيه ، لم يتوقف تغييره منكر غيره على تقديم تغييره منكر نفسه ، بل يفعلهما معاً أيَّاً كان سبيل التغيير وآلته ، فلا ينتظر الفراغ من تمام تغيير منكر نفسه ، ولا سيما إذا ما كان المغير ذا ولاية عامة أو خاصة على من يريد تغيير منكره .
    فإن كان من العامة ومن حوله من يمكن أن يقوم بالتغيير دونه ، فعليه الاشتغال بتغيير منكر نفسه أولاً ، ويدع غيره يقوم بتغيير هذا المنكر متى كانوا قادرين وصالحين لتغييره .
    (( يروى أن رجلاً جاء سيدنا عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فقال يا ابن عباس ، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر قال : أبلغت ذلك ، قال : أرجو ، قال : إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله ، فافعل .
    قال : وما هنَّ ؟
    قال : قوله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } ، أحكمت هذه ؟ قال لا .
    قال : فالحرف الثاني ؟ قال : قوله تعالى : { لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ } ، أحكمت هذه ؟ قال : لا ، فالحرف الثالث ؟
    قال : قولُ العبد الصالح (( شعيب )) عليه السلام : { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ } ، أحكمت هذه ؟ قال : لا . قال : فابدأ بنفسك )) .
    "

    ياربّ الطمأنينة التي تملأُ قلبي بذكرك..


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الحقوق محفوظة لموقع منشاوي للدرسات والابحاث

Banner Ad